إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أما الذي نهى عنه النبي فهو الطعام

2135- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: الَّذِي) ولابن عساكر: ((قال: أمَّا الذي)) (حَفِظْنَاهُ مِنْ [1] عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) أنَّه (سَمِعَ طَاوُسًا) اليمانيَّ، ويشير إلى أنَّ في غير رواية [2] عمرو بن دينارٍ عن طاوسٍ زيادةً على ما حدَّثهم به عمرٌو عنه؛ كسؤال طاوسٍ من [3] ابن عبَّاسٍ عن سبب النَّهي وجوابه وغير ذلك، وقال البرماويُّ كالكرمانيِّ: لمَّا كان سفيان منسوبًا إلى التَّدليس؛ أراد رفعه بالتَّصريح بالسَّماع، والحفظ من طاوسٍ حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) حال كونه (يَقُولُ: أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فَهْوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ) من بائعه أو غيره (حَتَّى يُقْبَضَ) موضع «أن يُباع» رُفِع بدلًا من «الطَّعام»، وإنَّما أُبدِلت النَّكرة [4] من المعرفة بلا نعتٍ؛ لأنَّ المضارع مع «أن» متوغِّلٌ في التَّعريف، قاله البرماويُّ كالكرمانيِّ (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ) أي: إلَّا مثل الطَّعام، وفي رواية مسلمٍ من طريق مَعْمَرٍ عن ابن طاوسٍ عن أبيه: وأحسب كلَّ شيءٍ بمنزلة الطَّعام، وهذا من تفقُّه ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وقد قال صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزامٍ: «لا تبيعنَّ شيئًا حتَّى تقبضه» رواه البيهقيُّ، وقال: إسناده حسنٌ متَّصلٌ، وهو مذهب الشَّافعيَّة، سواءٌ كان طعامًا أو عقارًا أو منقولًا، وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ إلَّا في العقار، وقال مالكٌ: لا يصحُّ في الطَّعام، وقال أحمد: لا يصحُّ في المكيل والموزون، قال المازريُّ: وتمسَّك الشَّافعيُّ بنهيه صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يُضمَن، فعمَّ، وتمسَّك أبو حنيفة بقوله [خ¦2124]: «حتَّى يستوفيه»، فاستثنى ما لا [5] يُنقَل؛ لتعذُّر الاستيفاء فيه، وتمسَّك من منع في كلِّ المكيلات والموزونات بقوله: «حتَّى يكتاله»، فجعل العلَّة الكيل والوزن [6]، وأجرى سائر المكيلات والموزونات مجرًى واحدًا،
ج4ص57
وتمسَّك مالكٌ رحمه الله تعالى بنهيه عن بيع الطَّعام، فدلَّ على أنَّ غير الطَّعام ممَّا فيه حقُّ توفيةٍ؛ بخلاف الطَّعام؛ إذ لو منع من الجميع؛ لم يكن لذكر الطَّعام فائدةٌ، ودليل الخطاب كالنَّصِّ عند الأصوليِّين، وفي صفة القبض عند الشَّافعيِّ تفصيلٌ؛ فما يُتناوَل باليد كالثَّوب فقبضُه بالتَّناول، وما لا يُنقَل كالعقار فبالتَّخلية، وما يُنقَل في العادة كالحبوب فبالنَّقل إلى مكانٍ لا اختصاص للبائع به، والعلَّة في النَّهي ضعف الملك؛ فإنَّه مُعرَّضٌ للسُّقوط بالتَّلف.
ج4ص58


[1] في (د): «عن»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[2] في (د): «رواية غير».
[3] «من»: ليس في (د)، وفي (ص): «عن»، وهو تحريفٌ.
[4] في هامش (ص): (قوله: «وإنَّما أُبدِلت النَّكرة»: مراده بالنَّكرة: لفظ «يُباع»، فإنَّ الأفعال نكراتٌ، وأنت خبيرٌ بأنَّ الجمهور أطلقوا جواز إبدال النَّكرة من المعرفة؛ خلافًا للكوفيِّين ومن وافقهم؛ كما في «الهمع»). انتهى. من خطِّ شيخنا عجمي.
[5] في (د) و(م): «لم».
[6] «والوزن»: مثبتٌ من (د).