إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه

(100) (بابُ) حكم (شِرَاءِ الْمَمْلُوكِ مِنَ الْحَرْبِيِّ وَ) حكم (هِبَتِهِ وَعِتْقِهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم لِسَلْمَانَ) الفارسيِّ: (كَاتِبْ) أي: اشتر نفسك من مولاك بنجمين أو أكثر (وَ) الحال أنَّه (كَانَ حُرًّا) قبل أن يخرج من داره (فَظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ) ولم يكن إذ ذاك مؤمنًا، وإنَّما كان إيمانه إيمان مصدِّقٍ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا بُعِث مع إقامته على شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام، فأقرَّه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مملوكًا لمن كان في يده؛ إذ كان في حكمه عليه الصلاة والسلام أنَّ من أسلم من رقيق المشركين في دار الحرب ولم يخرج مراغمًا لسيِّده فهو لسيِّده، أو كان سيِّده من أهل صلح المسلمين فهو لمالكه، قاله [1] الطَّبريُّ، وقصَّته: أنَّه هرب من أبيه لطلب الحقِّ وكان مجوسيًّا، فلحق براهبٍ ثمَّ براهبٍ ثمَّ بآخرَ، وكان يصحبهم إلى وفاتهم حتى دلَّه الأخير على الحجاز، وأخبروه بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقصده مع بعض الأعراب فغدروا به، فباعوه في وادي القرى ليهوديٍّ، ثمَّ اشتراه منه يهوديٌّ آخر من بني قريظة فقدم به المدينة، فلمَّا قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى علامات النُّبوَّة أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كاتب عن [2] نفسك»، وقد رُويَت قصَّته من طرقٍ كثيرةٍ، من أصحِّها ما أخرجه أحمد، وعلَّق البخاريُّ منها ما تراه، وفي سياق قصَّته في إسلامه اختلافٌ يتعسَّر الجمع فيه، وروى البخاريُّ في «صحيحه» [خ¦3946] عن سلمان أنَّه تداوله بضعة عشر سيِّدًا (وَسُبِيَ عَمَّارٌ): هو ابن ياسر العنسيُّ؛ بالعين والسِّين المهملتين بينهما نونٌ ساكنةٌ، ولم يكن عمَّارٌ سُبِيَ لأنَّه كان غريبًا، وإنَّما سكن أبوه مكَّة، وحالف بني مخزوم، فزوَّجوه سميَّة، وكانت من مواليهم، فولدت له عمَّارًا، فيحتمل أن يكون المشركون عاملوا عمَّارًا معاملة السَّبي؛ لكون أمِّه من مواليهم (وَ) سُبِيَ (صُهَيْبٌ): هو ابن سنان بن مالكٍ، وهو الرُّوميُّ، قيل له ذلك لأنَّ الرُّوم سَبَوه صغيرًا، ثمَّ اشتراه رجلٌ من كلبٍ فباعه بمكَّة، فاشتراه عبد الله بن جدعان التَّيميُّ فأعتقه، ويقال: بل هرب من الرُّوم، فقدم مكَّة فحالف ابن جدعان، وروى ابن سعدٍ: أنَّه أسلم هو وعمَّار ورسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم (وَبِلَالٌ): هو ابن رباحٍ الحبشيُّ المؤذِّن، وأمُّه حمامة، اشتراه أبو بكر الصِّدِّيق من المشركين لمَّا كانوا يعذِّبونه على التَّوحيد فأعتقه (وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ}) فمنكم غنيٌّ ومنكم فقيرٌ، ومنكم موالٍ يتولُّون رزقهم ورزق غيرهم، ومنكم مماليك حالهم على خلاف ذلك ({فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ}) بمعطي رزقهم ({عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}) على مماليكهم، فإنَّما يردُّون عليهم رزقهم الَّذي جعله الله في أيديهم ({فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ}) فالموالي والمماليك سواءٌ في أنَّ الله رزقهم، فالجملة لازمةٌ للجملة المنفيَّة أو مقرِّرة لها، ويجوز أن تكون واقعةً موقع الجواب، كأنَّه قيل: {فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} فيستووا في الرِّزق، على أنَّه ردٌّ وإنكارٌ على المشركين، فإنَّهم يشركون بالله بعض مخلوقاته
ج4ص101
في الألوهيَّة، ولا يرضون أن تشاركهم عبيدهم فيما أنعم الله عليهم فتساويهم فيه ({أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ} [النَّحل: 71]؟) حيث يتَّخذون له شركاء، فإنَّه يقتضي أن يُضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم، ويجحدوا أنَّه من عند الله، أو حيث أنكروا أمثال [3] هذه الحجج بعدما أنعم الله عليهم بإيضاحها، قاله البيضاويُّ.
وموضع التَّرجمة قوله: {عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} فأثبت لهم ملك اليمين مع كون ملكهم غالبًا على غير الأوضاع الشرعيَّة، وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت: (({عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}... إلى قوله: {أَفَبِنِعمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ})).
ج4ص102


[1] في (ب): «قال»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (د): «على»، وهو تحريفٌ.
[3] في (د): «امتثال» وفي (م): «مثال».