إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار

2112- وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم أَنَّهُ قَالَ: إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) محكومٌ له (بِالْخِيَارِ) في المجلس (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) فإذا تفرَّقا انقطع الخيار (وَكَانَا جَمِيعًا) تأكيد لسابقه، والجملة حاليَّةٌ من الضَّمير في «يتفرَّقا» أي: وقد كانا جميعًا، وهذا كما قال الخطَّابيُّ: أوضح شيءٍ في ثبوت خيار المجلس، وهو [1] مبطلٌ لكلِّ تأويلٍ مخالفٍ لظاهر الحديث، وكذلك [2] قوله في آخره: «وإن تفرَّقا بعد أن يتبايعا» فيه البيان الواضح أنَّ التَّفرُّق بالبدن هو القاطع للخيار، ولو كان معناه: التَّفرُّق بالقول؛ لخلا الحديث عن فائدةٍ. انتهى. وقد حمله ابن عمر راوي الحديث على التَّفرُّق بالأبدان _كما مرَّ [خ¦2107]_، وكذا أبو برزة الأسلميُّ، ولا يُعرَف لهما مخالفٌ بين الصَّحابة، نعم؛ خالف في ذلك إبراهيم النَّخعيُّ، فروى سعيد بن منصورٍ عنه: إذا وجبت الصَّفقة فلا خيار، وبذلك قال المالكيَّة إلَّا ابن حبيبٍ، والحنفيَّة كلُّهم.
(أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ) فينقطع الخيار أيضًا، وقوله: «أو يُخيِّر» بكسر ما قبل آخره مرفوعٌ كما في الفرع وغيره، وقال في «الفتح» و«جمع العدَّة»: بالجزم عطفًا على المجزوم السَّابق، وهو «ما لم يتفرَّقا»، وتُعقِّب: بأنَّ «أو» فيه ليست للعطف، بل بمعنى: «إلَّا» أي: إلَّا أن، أو بمعنى: «إلى» أي: إلى أن يخيِّر، فهو نصبٌ بـ «أن» مضمرةً، وفي بعض الأصول: ((وخيَّر))؛ بإسقاط الألف والفعل بلفظ الماضي (فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ) قيل: إنَّه من عطف المجمل على المُفصَّل، فلا تغاير بينه وبين ما قبله إلَّا بالإجمال والتَّفصيل (فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ) الفاء للسَّببيَّة والتَّرتيب على سابقه، أي: فإذا كان التَّبايع على ذلك؛ فقد لزم البيع وانبرم وبطل الخيار (وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا) بلفظ المضارع (وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ) أي: لم يفسخه (فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ) بعد التَّفرُّق، وهو ظاهرٌ جدًّا في انفساخ البيع بفسخ أحدهما.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الشُّروط»، وأخرجه ابن ماجه في «التِّجارات».


[1] «وهو»: ليس في (ص).
[2] في (ب) و(س): «وكذا».
@%ج4ص45)%