إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الولد للفراش وللعاهر الحجر

2053- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي والعين المهملة المفتوحات، قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) هو الذي كسر ثنيَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في وقعة أُحُدٍ ومات على شِرْكه، وقد ذكر ابن الأثير في «أُسْد الغابة» ما يقتضي أنَّه أسلم، فالله أعلم، قاله الحافظ زين الدِّين العراقيُّ، وقال في «الإصابة»: لم أرَ من ذكره في الصحابة إلَّا ابن منده، وقد اشتدَّ إنكار أبي نُعيمٍ عليه في ذلك وقال: هو الَّذي كسر رباعيَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وما علمت له إسلامًا، بل
ج4ص8
روى عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ عن الزُّهريِّ، وعن عثمان الجزريِّ عن مقسمٍ: أنَّ عتبة لمَّا كسر رباعيَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم دعا عليه ألَّا يحولَ عليه الحولُ حتَّى يموتَ كافرًا، فما حال عليه الحول حتَّى مات كافرًا إلى النَّار، وحينئذٍ فلا معنى لإيراده في الصَّحابة، واستند ابن منده في قوله بما لا يدلُّ على إسلامه؛ وهو قوله في هذا الحديث: كان عتبة بن أبي وقاص (عَهِدَ) أي: أوصى (إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة، وهو [1] أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله، وأَحَدُ مَنْ فداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيه وأمِّه (أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) بن قيسٍ العامريِّ، أي: جاريته، ولم تسمَّ، واسم ولدها صاحب القصَّة: عبد الرَّحمن، وزَمْعَة: بفتح الزَّاي وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ: ((زَمَعَة)) [2] بفتحهما [3]، قال الوقَّشِيُّ [4]: وهو الصَّواب (مِنِّي فَاقْبِضْهُ) بهمزة وصلٍ وكسر الموحَّدة، وأصل هذه القصَّة: أنَّه كانت [5] لهم [6] في الجاهليَّة إماءٌ يزنين، وكانت السَّادة تأتيهنَّ في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهنَّ بولدٍ؛ فربَّما يدَّعيه السَّيِّد، وربَّما يدَّعيه الزَّاني، فإذا مات السَّيِّد ولم يكن ادَّعاه ولا أنكره، فادَّعاه [7] ورثته لحق به، إلَّا أنَّه لا يشارك مستلحقه في ميراثه إلَّا أن يستلحقه قبل القسمة، وإن كان السَّيِّد أنكره لم يلحق به، وكان لزمعة بن قيس والد سودة أمِّ المؤمنين أمةٌ على ما وُصِف، وعليها ضريبةٌ، وهو يُلِمُّ بها، فظهر بها حملٌ كان سيِّدها يظنُّ أنَّه من عتبة أخي سعدٍ، فعهد عتبة إلى أخيه سعدٍ قبل موته أن يستلحق الحمل الذي بأمة زمعة (قَالَتْ) عائشة: (فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ؛ أَخَذَهُ) أي: الولد (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) وسقط قوله [8] «أنَّ ابن وليدة...» إلى هنا من رواية ابن عساكر، وقال في نسخته: إنَّه لم يكن في الأصل، وهو من رواية الحَمُّويي والنُّعيميِّ [9]، كذا نقل عن «اليونينيَّة» (وَقَالَ) أي: سعد: هو (ابْنُ أَخِي) عتبة (قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ) أن أستلحقه به، وسقط لابن عساكر لفظ [10] «قد» (فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) بغير إضافة، ابن قيس بن عبد شمس القرشيُّ العامريُّ، أسلم يوم الفتح، وهو أخو سَودة أمِّ المؤمنين (فَقَالَ): هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي) أي: جاريته (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَا) أي: فتدافعا بعد تخاصمهما وتنازعهما في الولد (إِلَى النَّبِيِّ) ولأبي ذرٍّ: ((إلى رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ) هو (ابْنُ أَخِي) عتبة (كَانَ قَدْ عَهِدَ) ولابن عساكر: ((كان عهد)) (إِلَيَّ فِيهِ) أن أستلحقه به (فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ): هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: ((فقال [11] النبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: هُوَ) أي: الولد (لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ [12] ) بضمِّ الدَّال على الأصل ونصب نون «ابن»، ولأبي ذرٍّ: ((يا عَبْدَ)) بفتحها، وسقط في رواية النَّسائيِّ أداة النِّداء، واختُلِف في قوله: «لك» على قولين: أحدهما: معناه: هو أخوك إمَّا بالاستلحاق وإمَّا بالقضاء [13] بعلمه؛ لأنَّ زمعة كان صهره عليه الصلاة والسلام والد زوجته، ويؤيِّده ما في «المغازي» عند المؤلِّف [خ¦4303]: «هو لك، فهو أخوك يا عبد»، وأمَّا ما عند أحمد في «مسنده» والنَّسائيِّ في «سُننه» من زيادة: «ليس لك بأخٍ»؛ فأعلَّها البيهقيُّ، وقال المنذريُّ: إنَّها زيادةٌ غير ثابتة.
والثَّاني: أنَّ معناه: هو لك ملكًا؛ لأنَّه ابن وليدة أبيك من غيره؛ لأنَّ زمعة لم يقرَّ به ولا شهد عليه، فلم يبقَ إلَّا أنَّه عبدٌ تبعًا لأمِّه، وهذا قاله ابن جريرٍ.
(ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: الْوَلَدُ) تابعٌ (لِلْفِرَاشِ) وهو على حذف مضافٍ، أي: لصاحب الفراش، زوجًا أو سيِّدًا، وفي «كتاب الفرائض» عند المؤلف [خ¦6750] من حديث أبي هريرة: «الولد لصاحب الفراش»، وترجم عليه وعلى حديث عائشة [خ¦6749]: «الولد للفراش، حرَّة كانت أو أمة» وهو لفظٌ عامٌّ ورد على سببٍ خاصٍّ، وهو مُعتَبرُ العموم عند الأكثر؛ نظرًا لظاهر اللَّفظ، وقيل: هو مقصورٌعلى السَّبب لوروده فيه، ومثاله حديث التِّرمذيِّ وغيره عن أبي سعيد الخدريِّ قيل: يا رسول الله؛ أنتوضَّأ من بئر بُضاعة، وهي بئرٌ تلقى فيها [14] الحِيَض [15] ولحوم الكلاب والنَّتن؟ فقال: «إنَّ الماء طهورٌ لا ينجِّسه شيء» أي: ممَّا ذُكِر وغيره، وقيل: ممَّا ذُكِر، وهو ساكتٌ عن غيره، ثمَّ إنَّ صورة السَّبب التي ورد عليها العامُّ قطعيَّةَ الدُّخول فيه عند الأكثر من العلماء لوروده فيها، فلا يخصُّ منه بالاجتهاد، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ: وهذا عندي ينبغي أن يكون إذا دلَّت قرائنُ حاليَّة أو مقاليَّة على ذلك
ج4ص9
أو على أنَّ اللَّفظ العامَّ يشمله بطريقٍ [الوضع] [16] لا محالة وإلَّا؛ فقد ينازع الخصم في دخوله وضعًا [17]تحت اللَّفظ العامِّ، ويدَّعي أنَّه قد يقصد المتكلِّم بالعام إخراج السَّبب وبيان أنَّه ليس داخلًا في الحكم، فإنَّ للحنفيَّة [18] _القائلين: إنَّ ولدَ الأمةِ المستفرشة لا يَلْحَق سيِّدها ما لم يقرَّ به؛ نظرًا إلى أنَّ الأصل في اللَّحاق الإقرار_ أن يقولوا في قوله عليه الصلاة والسلام: «الولد للفراش»: وإن كان واردًا في أمةٍ؛ فهو واردٌ لبيان حكم ذلك الولد، وبيان حكمه إمَّا بالثُّبوت أو بالانتفاء، فإذا ثبت أنَّ الفراش هي الزَّوجة؛ لأنَّها هي التي يُتَّخذ لها الفراش غالبًا، وقال: «الولد للفراش» كان فيه حصرُ أنَّ الولد للحرَّة، وبمقتضى ذلك لا يكون للأمة، فكان فيه بيان الحكمين جميعًا؛ نفي السَّبب عن المسبَّب [19] وإثباته لغيره، ولا يليق دعوى القطع ههنا، وذلك من جهة اللَّفظ، وهذا في الحقيقة نزاعٌ في أنَّ اسم الفراش هل هو موضوع للحرَّة والأمة الموطوءة أو للحرَّة فقط؟ فالحنفيَّة يدَّعون الثَّاني، فلا عموم عندهم له في الأمة، فتخرج المسألة حينئذٍ من باب أنَّ العبرة بعموم اللَّفظ أو بخصوص السَّبب، نعم؛ قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر» بهذا التَّركيب يقتضي أنَّه ألحقه به على حكم السَّبب، فيلزم أن يكون مرادًا من قوله: «للفراش» فليُتَنَبَّه لهذا البحث؛ فإنَّه نفيسٌ جدًّا، وبالجملة فهذا الحديث أصلٌ في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطءٌ محرَّمٌ.
(وَلِلْعَاهِرِ) أي: الزَّاني (الْحَجَرُ) أي: الخَيبة، ولا حقَّ له في الولد، والعرب تقول في حرمان الشَّخص: له الحَجَر وله التُّراب، وقيل: هو على ظاهره، أي: الرَّجم بالحجارة، وضُعِّفَ بأنَّه ليس كل زانٍ يُرْجَم؛ بل المحصن، وأيضًا فلا يلزم من رجمه نفي الولد، والحديث إنَّما هو في نفيه عنه.
(ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام (لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: احْتَجِبِي مِنْهُ) أي: من ابن زَمْعَة المتنازعَ فيه (يَا سَوْدَةُ) والأمر للنَّدب والاحتياط، وإلَّا؛ فقد ثبت نسبه وأُخُوُّته لها في ظاهر الشرع (لِمَا رَأَى) عليه الصلاة والسلام (مِنْ شَبَهِهِ) أي: الولد المتخاصَم فيه (بِعُتْبَةَ) بن أبي وقاص (فَمَا رَآهَا) عبد الرَّحمن المستلحَق (حَتَّى لَقِيَ اللهَ) عَزَّ وَجَلَّ، أي: مات، والاحتياط لا يُنافي ظاهر الحكم، وفيه جواز استلحاق الوارث نسبًا للمورِّث، وأنَّ الشَّبه وحكم القافة إنَّما يُعتَمد إذا لم يكن هناك أقوى منه كالفراش؛ فلذلك لم يُعْتبر الشَّبه الواضح.
وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ إلحاقه بزمعة يقتضي ألَّا تحتجب منه سودة، والشَّبه بعتبة يقتضي أن تحتجب، والمشبَّهات [20] ما أشبهت الحلال من وجهٍ والحرام من آخر، وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي _إن شاء الله تعالى_ في محالِّها، وقد أخرجه المؤلف في «الفرائض» [خ¦6749] و«الأحكام» [خ¦7182] و«الوصايا» [خ¦2745] و«المغازي» [خ¦4303] و«شراء المملوك من الحربي» [خ¦2218] ومسلمٌ [21]، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّلاق».
ج4ص10


[1] «وهو»: ليس في (ص).
[2] قوله: «بفتح الزَّاي وسكون الميم، ولأبي ذرٍّ: زَمَعَة» سقط من (ص).
[3] في (د): «بفتحها».
[4] في هامش (ص): (قوله: «الوقَّشيُّ»: قال في «الترتيب»: أهملها السمعانيُّ وابن قُرْقول. انتهى. وفي خطِّ شيخنا بهامش «اللُّبِّ»: نسبة إلى وقش؛ قرية على بريدٍ من طليطلة؛ منها: العلَّامة ذو الفنون هشام بن أحمد ابن خالدٍ الكنانيُّ اللُّغويُّ النَّحويُّ). انتهى.
[5] في (ب) و(س): «كان».
[6] «مهم»: ليس في (م).
[7] في (د): «فإن ادَّعاه».
[8] «قوله»: ليس في (د).
[9] في هامش (ص): (قوله: «النُّعيميِّ»: هو أبو حامد، راوي «الصحيح» عن الفرَبْريِّ؛ كما في «التبصير»؛ يعني: وهو بضمِّ النُّون وفتح العين؛ كما يُؤخَذ من بقيَّة عبارته، وقال في «اللُّباب»: النُّعَيْميُّ: بضمِّ النُّون، وفتح العين، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها ميمٌ، هذه النسبة إلى نُعَيم، وهو اسمٌ لبعض أجداد المنتسب إليه؛ منهم: أبو حامدٍ أحمد بن عبد الله بن نعيمٍ النُّعيميُّ السَّرخسيُّ، يروي عن الدَّغُوْليِّ، والحسين السِّنْجيِّ، ومحمَّد بن يوسف الفرَبْريِّ راوي «البخاريِّ»). انتهى.
[10] في (ب) و(د) و(س): «لفظة».
[11] «فقال»: ليس في (د).
[12] في هامش (ص): (قوله: «ابن زمعة»: هو مثل: «يا زيد بنَ سعيد»، قال في «التصريح»: بضمِّ «زيد» على الأصل، وفتحه إمَّا على الإتباع لفتحة «ابن»؛ إذ الحاجز بينهما ساكنٌ، فهو غير حصين، أو على تركيب الصفة مع الموصوف وجعلهما شيئًا واحدًا؛ كـ «خمسةَ عشرَ»، وإمَّا على إقحام «الابن» وإضافة «زيد» إلى «سعيد»؛ لأنَّ ابن الشخص يجوز إضافته إليه؛ لأنَّه يلابسه، فعلى الوجه الأوَّل: فتحة «زيدٍ» فتحة إتباع، وعلى الثاني: فتحة بناء، وعلى الثالث: فتحة إعراب، وفتحة «ابن» على الأوَّل فتحةُ إعراب، وعلى الثاني: بناء، وعلى الثالث: غيرهما. انتهى ملخَّصًا، وفي «شرح التسهيل» للمراديِّ: يا زيدُ بن عَمرو، يجوز في «زيد» الضمُّ على الأصل، وعلى هذا يجوز في «ابن» أن يكون بدلًا، وعطف بيان، ومنادى، ومفعولًا بفعل مقدَّر، ونعتًا وهو أحسنها، ويجوز في «زيدَ» أيضًا الفتح إتباعًا لحركة «ابن» إذ بينهما ساكنٌ، وهو غير حصين، وليس في «ابن» على هذا إلَّا النَّعت. انتهى. وللبدر في «مصابيحه» قبيل «الجهاد» كلامٌ مبسوطٌ في قوله: «يا عبَّاسُ بن عبد المطَّلب»؛ فليراجع). انتهى. من خطِّ شيخنا عجمي.
[13] في (د): «من القضاء».
[14] زيد في (د): «دم».
[15] زيد في (د): «أي: الخرق».
[16] قوله: «الوضع» من «فتاوى السبكي» 1/44.
[17] في (م): «وصفا».
[18] في (ل): «فإنَّ الحنفيَّة»، وفي هامش (ص): (قوله: «فإنَّ الحنفيَّة»: كذا بخطِّه، ولعلَّه _«للحنفيَّة» بلام الجرِّ_ خبرٌ مقدَّمٌ؛ بدليل ما سيأتي؛ وهو قوله: «أن يقولوا...» إلى آخره). انتهى. بخطِّ شيخنا عجمي.
[19] في (د) و(ص): «نفي النسب عن السبب».
[20] في (د): «والمشتبهات».
[21] في هامش (ص): (قوله: «ومسلمٌ» أي: في «النِّكاح»، كما في «مختصر الأطراف»). انتهى.