إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أوإنكم تفعلون ذلك لا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم

2229- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ): هو ابن أبي حمزة الحمصيُّ أيضًا (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ مُحَيْرِيزٍ) بضمِّ الميم وفتح الحاء المهمَلة وبعد الياء السَّاكنة راءٌ، آخره زايٌ مصغَّرًا، عبد الله الجمحيُّ: (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَيْنَمَا) بالميم (هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) وفي بعض الأصول: ((قال رجلٌ: يا رسول الله))، وفسَّره الحافظ ابن حجرٍ في «المقدِّمة»: بأنَّه مجدي [1] بن عمرو الضَّمريُّ كما سيأتي في «القدر» [خ¦6603] إن شاء الله تعالى (إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا) أي: نُجامِعُ الإماء المَسْبِيَّاتِ (فَنُحِبُّ الأَثْمَانَ) فنعزل الذَّكر عن الفرج وقت الإنزال حتى لا نُنزِل فيه؛ دفعًا لحصول الولد المانع من البيع (فَكَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ) أهو جائزٌ أم لا؟ (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟) بفتح الواو وكسر همزة «إنَّ»، والهمزة الدَّاخلة على الواو للاستفهام، وهذا الاستفهام فيه إشعارٌ بأنَّه صلى الله عليه وسلم ما كان اطَّلع على فعلهم ذلك، وقد كانت دواعيهم متوفِّرةً على سؤاله عن أمور الدِّين، فإذا فعلوا شيئًا وعلموا أنَّه لم يطَّلع عليه؛ بادروا إلى سؤاله عن الحكم فيه (لَا) حرج (عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ) بميم الجمع، أي: ليس عدمُ الفعل واجبًا عليكم، وقال الفرَّاء: «لا» زائدةٌ، أي: لا بأس عليكم في فعله، وقد صرَّح بجواز العزل [2] في حديث جابرٍ المرويِّ في «مسلمٍ»، حيث قال: «اعزِل عنها إن شئت»، وعند الشافعيَّة خلافٌ مشهورٌ في جواز العزل عن الحرَّة بغير إذنها، قال الغزاليُّ وغيره [3]: يجوز، وهو الصَّحيح عند المتأخِّرين، والوجه الآخر الجزم بالمنع إذا امتنعت، وفيما إذا رضيت وجهان؛ أصحُّهما الجواز، وهذا كلُّه في الحرَّة، وأمَّا الأمة فإن كانت زوجةً فهي مترتِّبةٌ على الحرَّة، إن جاز فيها ففي الأمة أَولى، وإن امتنع فوجهان؛ أصحُّهما الجواز؛ تحرُّزًا من إرقاق الولد، وإن كانت سرِّيَّةً جاز بلا خلاف عندهم إلَّا في وجهٍ حكاه الرُّويانيُّ في المنع مطلقًا، واتَّفقت المذاهب الثَّلاثة على أن الحرَّة لا يُعزَل عنها إلَّا بإذنها، وأنَّ الأمة يُعزَل عنها بغير إذنها، واختلفوا في المزوَّجة [4] فعند المالكيَّة: يحتاج إلى إذن سيِّدها، وهو قول أبي حنيفة والرَّاجح عند أحمد، وقال أبو يوسف ومحمَّدٌ: الإذن لها، وقال المانعون: قوله في هذا الحديث: «لا عليكم أن لا تفعلوا» نفى الحرج عن عدم الفعل، فأفهم ثبوت الحرج في فعل العزل، ولو كان المراد نفي الحرج عن الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا، وما ادُّعي من أنَّ «لا» زائدةٌ الأصلُ عدمه، ووقع في رواية مجاهدٍ في «التَّوحيد» [خ¦7409] تعليقًا _ووصلها مسلمٌ وغيره_ ذُكِرَ العزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ولمَ يفعل ذلك أحدكم؟» ولم يقل [5]: لا يفعل
ج4ص110
ذلك، فلم يصرِّح بالنَّهي، وإنَّما أشار إلى أنَّ الأَولى تركُ ذلك؛ لأنَّ العزل إن كان خشيةَ حصول الولد فلا فائدة في ذلك (فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ) بفتح النُّون والسِّين المهملة: نفسٌ أو إنسانٌ (كَتَبَ اللهُ أَنْ تَخْرُجَ) من العدم إلى الوجود (إِلَّا هِيَ خَارِجَةٌ) وفي بعض الأصول: ((إلَّا وهي خارجةٌ)) بثبوت الواو.
وبقيَّة مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محلِّها، وقد أخرجه في «النِّكاح» [خ¦5210] و«القدر» [خ¦6603] و«المغازي» [خ¦4138] و«العتق» [خ¦2542] و«التَّوحيد» [خ¦7409] ومسلمٌ وأبو داود في «النِّكاح» والنَّسائيُّ في «العتق» و«عشرة النِّساء».
ج4ص111


[1] في (د): «محمَّد»، وليس بصحيحٍ.
[2] «في»: ليس في (د).
[3] «وغيره»: ليس في (ص).
[4] في (د): «الزَّوجة».
[5] في (ل): «ولا يقل»، وفي هامشها: (قوله: «ولا يقل» كذا بخطِّه، وكان الأَولى: «ولم» بدل «ولا»؛ يُتأمَّل). انتهى.