إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة

2085- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عمران العطارديُّ (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدبٍ) بضمِّ الجيم وفتح الدَّال، ابن هلال الفزاريِّ حليف الأنصار (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: رَأَيْتُ) من الرؤيا، ولابن عساكر: ((أُرِيتُ)) بهمزةٍ مضمومةٍ قبل الرَّاء مبنيًّا للمفعول (اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ) جبريل وميكائيل (أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ) بالتَّنكير للتَّعظيم (فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهرٍ مِنْ دَمٍ) بفتح الهاء
ج4ص27
وسكونها (فِيهِ) أي: في [1] النهر (رَجُلٌ قَائِمٌ وَ) هو (عَلَى وَسَطِ النَّهرِ) الجملة حاليَّة، وحذف المبتدأ المقدَّر بـ «هو»، ولا يجوز أن يكون خبرًا مقدَّمًا على المبتدأ؛ وهو قوله: (رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ) لمخالفة ذلك سائر الرِّوايات؛ لأنَّ الرَّجل الذي بين يديه حجارةٌ هو على شطِّ النَّهر لا على وسطه؛ كما مرَّ [2] في آخر «الجنائز» [خ¦1386] بلفظ: «وعلى شطِّ النهر رجلٌ بين يديه حجارةٌ»، لا سيَّما وفي بعض الأصول: ((ورجلٌ بين يديه حجارةٌ)) بالواو، ولا يُفصَل بين المبتدأ والخبر، وفي رواية: «على [3] وسط النَّهر» بغير واوٍ، وحينئذٍ فتكون متعلِّقة بـ «قائم»، وقوله: «رجلٌ» مبتدأٌ حُذِف خبره؛ تقديره: على الشَّطِّ أو هناك، والجملة حاليَّة، سواءٌ كانت بالواو أو بدونها، وعند ابن السَّكن: «على شطِّ النَّهر» بدل قوله: «وسط النَّهر»، وصوَّبه القاضي عياضٌ (فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي [4] فِي النَّهرِ، فَإِذَا أَرَادَ [5] أَنْ يَخْرُجَ) من النَّهر، وفي رواية غير ابن عساكر وأبي الوقت: ((فإذا أراد الرَّجل أن يخرج)) (رَمَى الرَّجُلُ) الَّذي في شطِّ النَّهر (بِحَجَرٍ) من الحجارة الَّتي بين يديه (فِي فِيهِ) أي: في فم الذي في النَّهر (فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ) من النَّهر (فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ) من النَّهر (رَمَى) الرَّجل الذي على الشَّطِّ (فِي فِيهِ بِحَجَرٍ) من تلك الأحجار، قال ابن مالكٍ: تضمَّن وقوع خبر «جعل» الإنشائيَّة جملةً فعليَّةً مصدَّرةً بـ «كلما»، وحقُّه أن يكون فعلًا مضارعًا، وقد جاء هنا ماضيًا (فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ) ولا يمكنه من الخروج منه، قال عليه الصلاة والسلام: (فَقُلْتُ) لجبريل وميكائيل: (مَا هَذَا) الذي رأيتُ؟ (فَقَالَ) أحدهما: (الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا) وهذا موضع التَّرجمة، لكن ليس فيه ولا في سابقه ذكرٌ لكاتب الرِّبا وشاهده، فقيل: لأنَّهما لمَّا كانا معاونين لآكله؛ نُزِّلا منزلة الآكل، فترجم المؤلِّف بالثَّلاثة، أو أنَّهما رضيا به، والرَّاضي بالشَّيء كفاعله، أو أنَّهما بفعلهما كأنَّهما قائلان: إنَّما البيع مثل الرِّبا، أو عقد التَّرجمة لهما ولم يجد فيهما حديثًا على شرطه، قال في «الفتح»: ولعلَّه أشار إلى ما ورد في الكاتب والشَّاهد صريحًا، فعند مسلمٍ وغيره من حديث جابرٍ: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الرِّبا، وموكِله، وكاتبه، وشاهده، وقال: «هم في الإثم سواءٌ»، ولأصحاب «السُّنن» وصحَّحه ابن خزيمة من طريق عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعودٍ عن أبيه: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الرِّبا، وموكِله، وشاهده، وكاتبه، وفي رواية التِّرمذيِّ بالتَّثنية، وهذا إنَّما يقع على من واطأ صاحب الرِّبا عليه، أمَّا من كتبه أو شاهد [6] القصَّة؛ ليشهد بها على ما هي عليه؛ ليعمل فيها بالحقِّ؛ فهو جميل القصد، لا يدخل في الوعيد [7] المذكور.
ج4ص28


[1] «في»: مثبتٌ من (د).
[2] «مرَّ»: ليس في (ص).
[3] «على»: مثبتٌ من (د).
[4] زيد في (د): «هو».
[5] زيد في (م): «الرجل».
[6] في (د): «شهد».
[7] في (د): «بالوعيد».