إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب آكل الربا وشاهده وكاتبه

(24) (باب) حكم (آكِلِ الرِّبَا) بمدِّ الهمزة وكسر الكاف، والرِّبا [1]: بالقصر، ومدُّه لغةٌ شاذَّةٌ، وأَلِفه بدلٌ من واوٍ، ويُكتب بها [2] وبالواو [3]، ويقال: الرِّماء؛ بالميم والمدِّ (وَ) حكمِ (شَاهِدِهِ) بالإفراد، وللإسماعيليِّ: ((وشاهديه)) بالتَّثنية (وَ) حكم (كَاتِبِهِ) الذين يواطئون صاحب الرِّبا على كتمان الرِّبا وإظهار الجائز، وفيه ما يدلُّ على أنَّ الكاتبَ غيرُ الشَّاهدِ، وأنَّهما وظيفتان، وعلى ذلك العمل بتونس وبعض بلاد المغرب (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، وسقطت «الواو» لأبي ذرٍّ، و«القول» [4] عنده مرفوعٌ، ولابن عساكر: ((قول الله تعالى)): ({الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا}) أي: الآخذون له، وإنَّما عبَّر عنه بالأكل؛ لأنَّ الأكل أعظم المنافع، ولأنَّ الرِّبا شائعٌ في المطعومات، وهو في اللُّغة: الزِّيادة؛ قال الله تعالى: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: 5] أي: زادت وعلت، وفي الشَّرع: عقدٌ على عوضٍ مخصوصٍ غير معلومِ التَّماثل في معيار الشَّرع حالة العقد، أو مع تأخيرٍ في [5] البدلين أو أحدهما، وهو ثلاثة أنواعٍ: ربا الفضل؛ وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر،
ج4ص26
وربا اليد؛ وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما، وربا النَّساء؛ وهو البيع لأجلٍ، وكلٌّ منها حرامٌ ({لَا يَقُومُونَ}) من قبورهم ({إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ}) أي: إلَّا قيامًا كقيام المصروع ({مِنَ الْمَسِّ}) أي: الجنون، وقال في «البحر»: {مِنَ المَسِّ}: متعلِّقٌ بقوله: {يَتَخَبَّطُهُ} وهو على سبيل التَّأكيد ورفع ما يحتمله {يَتَخَبَّطُهُ} من المجاز؛ إذ هو ظاهرٌ في أنَّه لا يكون إلَّا من المسِّ، ويحتمل أن يكون المراد بالتَّخبُّط: الإغواء [6] وتزيين المعاصي، فأزال قوله [7]: {مِنَ الْمَسِّ} هذا الاحتمال، وقول الزَّمخشريِّ: «إنَّ [8] قوله: {مِنَ الْمَسِّ} متعلِّقٌ بـ {لَا يَقُومُونَ} أي: لا يقومون من المسِّ الذي بهم إلَّا كما يقوم المصروع [9]» ضعيفٌ؛ لأنَّ ما بعد «إلَّا» لا يتعلَّق بما قبلها إلَّا إن كان في حيِّز الاستثناء؛ ولذلك منعوا أن يتعلَّق {بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا} [النحل: 43] وأنَّ التَّقدير: وما أرسلنا بالبيِّنات والزُّبر إلَّا رجالًا يوحى إليهم. انتهى. وقيل: إنَّ النَّاس يخرجون من الأجداث سِراعًا، لكنَّ آكل الرِّبا يربو الرِّبا في بطنه، فيريد الإسراع فيسقط، فيصير بمنزلة المتخبِّط من الجنون؛ لاختلال عقله.
({ذَلِكَ}) أي: العقاب ({بِأَنَّهُمْ}) بسبب أنَّهم ({قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}) نظموا الرِّبا والبيع [10] في سلكٍ واحدٍ؛ لإفضائهما إلى الرِّبح، فاستحلُّوه استحلاله، قال الزَّمخشريُّ: فإن قلت: هلَّا قيل: إنَّما الرِّبا مثل البيع؛ لأنَّ الكلام في الرِّبا لا في البيع، فوجب أن يُقال: إنَّهم شبَّهوا الرِّبا بالبيع فاستحلُّوه، وكانت شبهتهم أنَّهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلَّا درهمًا بدرهمين جاز، فكيف إذا باع [11] درهمًا بدرهمين؟ وأجاب: بأنَّه جيء به على طريق المبالغة، وهو أنَّه قد بلغ من اعتقادهم في حلِّ الرِّبا أنَّهم جعلوه أصلًا وقانونًا في الحلِّ حتى شبَّهوا به البيع. انتهى. وتعقَّبه ابن المُنَيِّر: بأنَّه لا يجب حمله على المبالغة؛ إذ يمكن أن يُقال: الرِّبا كالبيع، والبيع حلالٌ، فالرِّبا مثله، ويمكن أن يعكس فيُقال: البيع كالرِّبا، فلو كان الرِّبا حرامًا؛ كان البيع حرامًا، فالأوَّل قياس الطَّرد، والثَّاني قياس العكس. انتهى. والفرق بين الرِّبا والبيع بَيِّنٌ، فإنَّ من أعطى درهمين بدرهم ضيَّع درهمًا، ومن اشترى سلعةً تساوي درهمًا بدرهمين؛ فلعلَّ مسيس الحاجة إليها أو توقُّع رواجها يَجبر هذا الغبن.
({وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}) إنكارٌ لتسويتهم، وإبطالٌ للقياس؛ لمعارضته النَّصَّ ({فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [12]}) بلغه وعظٌ من الله ({فَانْتَهَى}) فاتَّعظ وتبع النَّهي حال وصول الشَّرع إليه ({فَلَهُ مَا سَلَفَ}) من المعاملة، أي: له ما كان أَكَلَ من الرِّبا زمن الجاهليَّة ({وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ}) يحكم يوم القيامة بينهم، وليس من أمره إليكم شيءٌ ({وَمَنْ عَادَ}) إلى تحليل الرِّبا وأكله ({فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] ) لأنَّهم كفروا به، ولفظ رواية أبوي ذرٍّ والوقت: (({الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ})) إلى قوله: (({هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ})).
ج4ص27


[1] قوله: «بمدِّ الهمزة وكسر الكاف، والرِّبا»: سقط من (م).
[2] في (ص) و(م): «بهما».
[3] في هامش (ص): (قوله: «وبالواو»: كذا بخطِّه، وصوابه: بهما وبالياء). انتهى من خطِّ شيخنا عجمي.
[4] في غير (ب) و(س): «والفعل» وفي (د1): «والفضل»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب، وفي هامش (ص): (قوله: «والفعل عنده مرفوع»: أراد بـ «الفعل»: المصدرَ الذي هو القول، وإطلاق الفعل عليه تجوُّز). انتهى.
[5] «في»: ليس في (د).
[6] في (د): «الإغراء».
[7] في (د): «بقوله».
[8] في (م): «إنَّه».
[9] قوله: «قوله: {مِنَ المَسِّ}... المصروع»: سقط من (م).
[10] في (ب) و(س): «البيع والرِّبا».
[11] زيد في (د1): «به».
[12] «{مِن رَّبِّهِ}»: ليس في (م)، وجاء في (د): بعد قوله: «وعظٌ».