إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

كتاب السلم

((35)) (كِتَابُ السَّلَمِ) بفتح السِّين واللَّام: السَّلَف. وقال النَّوويُّ: وذكروا في حدِّ السَّلم عباراتٍ أحسنُها أنَّه عقدٌ على موصوفٍ في الذِّمَّة ببدلٍ يُعطَى عاجلًا بمجلس البيع، سُمِّي [1] سَلَمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسَلَفًا لتقديم رأس المال [2]، وأورد عليه أنَّ اعتبار التَّعجيل شرطٌ لصحَّة السَّلم لا ركنٌ فيه، وأُجيب: بأنَّ ذلك رسمٌ لا يقدح فيه ما ذكر، وأجمع المسلمون على جواز السَّلم. انتهى. وفي «التَّلويح»: وكرهت طائفةٌ السَّلم، ورُوِي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ: أنَّه كان يكرهه، والأصل في جوازه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] قال ابن عبَّاسٍ: أشهد أنَّ السَّلف المضمون إلى أجلٍ مُسمُّى قد أحلَّه الله في كتابه، ثمَّ تلا الآية، وفيه ما يدلُّ على ذلك وهو قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} [البقرة: 282] وهذا في البيع النَّاجز، فدلَّ على أنَّ ما قبله في الموصوف غير النَّاجز، واختُلِف في بعض شروطه مع الاتِّفاق على أنَّه يُشترَط له ما يُشترَط للبيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس، قاله في «فتح الباري»، وهذا فيه نظرٌ، فإنَّ مذهب المالكيَّة يجوز [3] تأخيره [4] كلُّه أو بعضه إلى ثلاثة أيَّامٍ على المشهور؛ لخفَّة الأمر في ذلك، وقيل: لا يجوز؛ للدَّين بالدَّين، وعلى القول باشتراط تسليم رأس المال في المجلس لو تفرَّقا بعد قبض البعض صحَّ فيه بقسطه، ويُشترَط أيضًا في السَّلم كون المُسلَم فيه دينًا؛ لأنَّه الذي وضع له لفظ السَّلم، فإن قال: أسلمت إليك ألفًا في هذا العبد مثلًا، أو أسلمت إليك هذا العبد في هذا الثَّوب فليس بسلمٍ؛ لانتفاء شرطه، ولا بيعًا لاختلال لفظه؛ لأنَّ لفظ السَّلم يقتضي الدَّينيَّة، ويُشترَط أيضًا القدرة على التَّسليم للمُسلَم إليه وقت الوجوب، فإن أسلم فيما يعدم وقت الحلول كالرطب في الشِّتاء، أو فيما يعزُّ [5] وجوده لقلَّته كاللآلئ الكبار؛ فلا يصحُّ [6]، وكذا يُشترَط بيان محلِّ تسليم المُسلَم فيه المُؤجَّل، وإنَّما يُشترَط بيانه فيما لحمله مؤنةٌ، وأن يُقدَّر بالكيل أو الوزن أو الذَّرع أو العدِّ؛ كما سيأتي بيانه _إن شاء الله تعالى_ وأن يصفه بما ينضبط به على وجهٍ لا يعزُّ [7] وجوده، فلا يصحُّ في المختلطات المقصودة الأركان التي لا تنضبط قدرًا وصفةً؛ كالهريسة والحلوى والمعجونات، فهذه ستَّة [8] شروطٍ للسَّلم زائدةٍ على البيع.
ج4ص116


[1] في (د): «يُسمَّى».
[2] زيد في (ص): «في المجلس».
[3] «يجوز»: ليس في (ص).
[4] في (ب) و(ص): «تأخير».
[5] في (د): «يقلُّ».
[6] «فلا يصحُّ»: ليس في (م).
[7] في (د): «يقلُّ»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[8] «ستَّة»: ليس في (د1) و(ص) و(م).