إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب: لا يبيع حاضر لباد بالسمسرة

(70) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ) بمهملتين، وجمعه سماسرة؛ وهو القيِّم بالأمر الحافظ له، ثمَّ غلب استعماله فيمن يدخل بين البائع والمشتري في ذلك، ولكنَّ المراد به هنا أخصُّ من ذلك، وهو أن يدخل بين البائع البادي والمشتري الحاضر أو عكسه، والسَّمسرة: البيع والشِّراء، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((لا يشتري)) بدل قوله: ((لا يبيع))، فيكون قياسًا على البيع، أو استعمالًا للفظ البيع في البيع والشِّراء
ج4ص72
(وَكَرِهَهُ) أي: كره البيعَ والشِّراء المذكورين (ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ، فيما وصله أبو عَوانة (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي) ولأبي ذرٍّ _كما في الفرع_: ((وللمشتري))، ورواه أبو داود [1] من طريق أبي بلالٍ [2] عن ابن سيرين عن أنسٍ كان يُقال: لا يبيع حاضرٌ لبادٍ، وهي كلمةٌ جامعةٌ؛ لا يبيع له شيئًا ولا يبتاع له شيئًا، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف لإبراهيم النَّخعيِّ على ذلك صريحًا، لكن (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) مستدلًّا لِما ذهب إليه من التَّسوية في الكراهة بين بيع الحاضر للبادي وبين شرائه له: (إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: بِعْ لِي ثَوْبًا، وَهْيَ تَعْنِي) أي: تقصد وتريد: (الشِّرَاءَ) وللحَمُّويي والمُستملي: ((وهو يعني))، قال الكرمانيُّ: وهو صحيحٌ على مذهب من جوَّز استعمال اللَّفظ المشترك في معنييه، اللَّهمَّ إلَّا أن يُقال: إنَّ [3] البيع والشِّراء ضدَّان، فلا تصحُّ إرادتهما معًا، فإن قلت: فما وجهه [4]؟ قلت: وجهه أن يُحمَل على عموم المجاز. انتهى. قال البرماويُّ [5]: ولا تضادَّ في استعمالهما؛ كالقرء: للطُّهر والحيض. انتهى. قال ابن حبيبٍ من المالكيَّة: الشِّراء للبادي مثل البيع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم [خ¦2150]: «لا يبيع بعضكم على بيع بعضٍ»، فإنَّ معناه الشِّراءُ، وعن مالكٍ في ذلك روايتان، وقال أصحابنا الشَّافعيَّة: ولو قدم البادي يريد الشِّراء فتعرَّض له حاضرٌ يريد أن يشتري له [6] رخيصًا _وهو المُسمَّى بالسِّمسار_ فهل يحرم عليه كما في البيع؟ تردَّد فيه في «المَطْلَبِ»، واختار البخاريُّ المنعَ، وقال الأذرعيُّ: ينبغي الجزم به.
ج4ص73


[1] في (د1): «عوانة»، والمثبت موافقٌ لما في «الفتح» (4/436).
[2] في (ب) و(س): «هلال»، والمثبت موافقٌ لما في «الفتح» (4/436)، وفي هامش (ص): (قوله: «بلالٍ» كذا بخطِّه بالباء المُوحَّدة، وصوابه كما في «أبي داود»: أبو هلالٍ؛ بالهاء بدل المُوحَّدة، واسمه محمَّد بن سُليمٍ الرَّاسبيُّ، كما في «التَّقريب»، ورمز له علامة الأربعة، وفي أصله ممَّن أخذ عن ابن سيرين: أبو هلالٍ الرَّاسبيُّ). انتهى.
[3] «إنَّ»: ليس في (د) و(ص).
[4] في (د) و(د1): «توجيهه».
[5] في (د1): «الكرمانيُّ»، وكلاهما صحيحٌ.
[6] «له»: ليس في (د).