إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب: إذا اشترى متاعًا أو دابة فوضعه عند البائع أو مات قبل أن

(57) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اشْتَرَى) شخصٌ (مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ) أي: ترك المبيع (عِنْدَ الْبَائِعِ) فتلف أو تعيَّب (أَوْ مَاتَ) الحيوان (قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، بآفةٍ سماويَّةٍ انفسخ البيع في التَّالف والميت، وسقط الثَّمن عن المشتري؛ لتعذُّر القبض المستحقِّ سواءٌ عرضه البائع عليه فلم يقبله أم لا، قاله الشَّيخ أبو حامدٍ وغيره، قال السُّبكيُّ:
ج4ص58
وينبغي أن يكون مرادهم إذا كان مستمرًّا بيد البائع، فإن أحضره ووضعه بين يدي المشتري فلم يقبله؛ فالأصحُّ عند الرَّافعيِّ وغيره: أنَّه يحصل القبض ويخرج من ضمان البائع، وإذا أبرأه المشتري عن [1] ضمان المبيع لو تلف أو أتلفه لم يبرأ؛ لأنَّه إبراءٌ عمَّا لا يجب، وانفساخه بتلف المبيع مُقدَّرٌ [2] به انتقال الملك إلى البائع قبيل التَّلف، لا من العقد؛ كالفسخ بالعيب [3]، فتجهيزه على البائع لانتقال الملك فيه إليه، وزوائده المنفصلة الحادثة عنده؛ كثمرةٍ ولبنٍ وبيضٍ وصوفٍ وكسبٍ للمشتري؛ لأنَّها حدثت في ملكه، وهي أمانةٌ في يد [4] البائع، وإتلاف المشتري للمبيع قبل قبضه ولو جاهلًا به قبضٌ له، ولا ينفسخ البيع بإتلاف الأجنبيِّ؛ لقيام بدله مقامه، بل يتخيَّر المشتري بين الفسخ والرُّجوع عليه بالقيمة أو المثل، وإذا اختار الفسخ؛ رجع البائع على الأجنبيِّ بالبدل، ولو تعيَّب المبيع قبل القبض بآفةٍ _كحمَّى وشللٍ_ ثبت للمشتري الخيار من غير أرشٍ له؛ لقدرته على الفسخ، ومذهب الحنفيَّة كالشَّافعيَّة: في [5] أنَّ المبيع قبل قبضه من ضمان البائع، وهو مذهب الحنابلة أيضًا، وعبارة المرداويِّ في «الإنصاف»: إذا تلف المبيع كلُّه بآفةٍ سماويَّةٍ؛ انفسخ العقد، وكان من ضمان بائعه وكذا إن تلف بعضه، لكن هل يُخيَّر المشتري في باقيه أو يُفسَخ؟ فيه روايتان تفريق الصَّفقة إلَّا أن يتلفه [6] آدميٌّ، فيُخيَّر المشتري بين فسخ العقد وبين إمضائه ومطالبة متلفه بالقيمة، هذا المذهب مطلقًا نُصَّ عليه، وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثيرٌ منهم.
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) ممَّا وصله الطَّحاويُّ والدَّارقُطنيُّ من طريق الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: (مَا أَدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيًّا) أي: ما كان عند العقد غير ميتٍ؛ أي [7]: أو موجودًا (مَجْمُوعًا) صفةٌ لـ «حيًا» أي [8]: وغير منفصلٍ عن المبيع فهلك بعد ذلك عند البائع (فَهُوَ مِنَ الْمُبْتَاعِ) أي: من ضمان المشتري وليس عندهما [9] لفظُ «مجموعًا»، وإسناد [10] الإدراك إلى العقد مجازٌ، و«ما» شرطيَّةٌ؛ فلذا دخلت الفاء في جوابها، واستدلَّ به الطَّحاويُّ: على أنَّ ابن عمر كان يرى أنَّ البيع [11] يتمُّ بالأقوال قبل التَّفرُّق بالأبدان، وليس ذلك بلازمٍ، وكيف [12] يحتجُّ بأمرٍ محتملٍ في معارضة أمرٍ مُصرَّحٍ به، فقد تقدَّم عن ابن عمر التَّصريح [13] بأنَّه كان يرى الفرقة بالأبدان، ونُقِل عنه [14] هنا ما يحتمل التَّفرُّق بالأبدان قبل وبعد، فحمله [15] على ما بعده أَولى؛ جمعًا بين حديثيه.
ج4ص59


[1] في (د): «من».
[2] في (د): «يُقدَّر».
[3] في (د): «بالتَّعيُّب».
[4] في (م): «بيد».
[5] «في»: ليس في (د).
[6] زيد في (م): «على».
[7] في غير (د) و(س): «أو».
[8] «أي»: مثبتٌ من (م).
[9] في هامش (ص): (قوله: «وليس عندهما» أي: عند الطَّحاويِّ والدَّارقُطنيِّ). انتهى. بخطِّ شيخنا عجمي.
[10] في (د): «وإسناده».
[11] «يرى أنَّ البيع»: مثبتٌ من (د).
[12] في (د1) و(ص): «وليس».
[13] «التَّصريح»: ليس في (م).
[14] في (م): «منه»، وهو تحريفٌ.
[15] في هامش (ص): (قوله: «كان يرى الفرقة بالأبدان»: عبارة «الفتح»: كان يرى التفرُّق بالأبدان، والمنقول عنه هنا يحتمل أن يكون قبل التفرُّق بالأبدان، ويحتمل أن يكون بعده، فحمله... إلى آخره).