إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا

2201- 2202- وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد بن جَميل _بفتح الجيم_ الثَّقفيُّ البَغْلانيُّ؛ بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بميمٍ مفتوحةٍ بعدها جيمٌ، وصحَّفها بعضهم: فقال عبد الحميد؛ بالحاء المهملة، وسُهَيْل: بضمِّ السِّين المهملة مُصَغَّرًا، ولأبي الوقت في نسخةٍ زيادة: ((ابن عون)) (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بفتح التَّحتيَّة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم اسْتَعْمَلَ) أمَّر (رَجُلًا) هو سوَاد بن غزيَّة؛ بمعجمتين بوزن عطيَّة، وتخفيف واو «سواد» كما سمَّاه أبو عَوانة والدَّارقُطنيُّ من طريق الدَّراورديِّ عن عبد المجيد (عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ) بفتح الجيم وكسر النُّون وبعد التَّحتيَّة [1] السَّاكنة موحَّدةٌ بوزن عظيم: نوعٌ جيِّدٌ من أنواع التَّمر، وقيل: الصُّلب، وقيل غير ذلك (فَقَالَ) له (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا) أي: من الجنيب (بِالصَّاعَيْنِ) زاد سليمان بن بلال عن عبد المجيد عند [2] المؤلِّف في «الاعتصام» [خ¦7350]: من الجَمْع _بفتح الجيم وسكون الميم_ التَّمر الرَّديء (وَالصَّاعَيْنِ) [3] من الجنيب (بِالثَّلَاثَةِ) من الجمع، و«الثَّلاثة»: بتاء التَّأنيث للقابسيِّ، وللأكثر: ((بالثَّلاث))، وهما جائزان؛ لأنَّ الصَّاع يُذَّكَر ويُؤَنَّث (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ) أي: التَّمر الرَّديء (بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ) اشترِ (بِالدَّرَاهِمِ) تمرًا (جَنِيبًا) ليكونا صفقتين فلا يدخله الرِّبا، وبه استدلَّ الشَّافعيَّة على
ج4ص91
جواز الحيلة في بيع الرِّبويِّ بجنسه متفاضلًا؛ كبيع ذهبٍ بذهبٍ متفاضلًا بأن يبيعه من صاحبه بدراهمَ أو عَرَضٍ، ويشتري منه بالدَّراهم أو بالعَرَض الذَّهب بعد التَّقابض، أو أن يُقْرض كلٌّ منهما صاحبه ويُبرئه، أو أن يتواهبا، أو يهب المالك فاضله [4] لصاحبه بعد شرائه منه ما عداه بما يساويه، وكلُّ هذا جائزٌ إذا [5] لم يشترط في بيعه وإقراضه وهبته ما يفعله الآخر، نعم؛ هي مكروهة إذا نويا ذلك؛ لأنَّ كلَّ شرطٍ أفسد التَّصريحُ به العقدَ إذا نواه كُرِهَ؛ كما لو تزوَّجها بشرط أن يطلِّقها لم ينعقد، أو بقصد ذلك كُرِه، ثمَّ إنَّ هذه الطُّرق ليست حيلًا في بيع الرِّبويِّ بجنسه متفاضلًا لأنَّه حرامٌ، بل حيلٌ في تمليكه لتحصيل ذلك، ففي التَّعبير بذلك تسامحٌ، وقد زاد سليمان في روايته لهذا الحديث بعد قوله: «لا تفعل»: «ولكن مثلًا بمثل» أي: بِعِ المثل بالمثل، وزاد في آخره: «وكذلك الميزان» أي: في بيع ما يوزَن من المقتات بمثله، قال ابن عبد البرِّ: كلُّ مَنْ روى عن عبد المجيد هذا الحديث ذكر فيه «الميزان» سوى مالك، وهو أمرٌ مُجمَعٌ عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، وقد أُجمِع على أنَّ التَّمر بالتَّمر لا يجوز بيع بعضه ببعضٍ إلَّا مثلًا بمثلٍ، وسواءٌ فيه الطَّيِّب والدُّون، وأنَّه كلَّه على اختلاف أنواعه واحدٌ، وأمَّا سكوت من سكت من الرُّواة عن فسخ البيع المذكور؛ فلا يدلُّ على عدم الوقوع، وقد ورد الفسخ من طريقٍ أخرى عند مسلمٍ بلفظ: فقال: «هذا الرِّبا، فردُّوه»، ويحتمل تعدُّد القصَّة وأنَّ الَّتي لم يقع فيها الرَّدُّ كانت قبل تحريم ربا الفضل. انتهى.
وقد احتجَّ بحديث الباب من أجاز بيع الطَّعام من رجلٍ نقدًا، و [6]يبتاع منه طعامًا قبل الافتراق وبعده؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يخصَّ فيه بائع الطَّعام ولا مبتاعه من غيره، وهذا قول الشَّافعيِّ وأبي حنيفة، ومنعه المالكيَّة، وأجابوا عن الحديث: بأنَّ المطلق لا يشمل، ولكن يشيع، فإذا عُمِل به في صورةٍ؛ فقد سقط الاحتجاج به [7] فيما عداها بإجماعٍ من الأصوليين، وبأنَّه عليه الصلاة والسلام لم يقل: وابتع ممَّن اشترى الجمع، بل خرج الكلام غير متعرِّضٍ لعين البائع من هو، فلا يدلُّ، والله أعلم.
وهذا الحديث أخرجه في «الوكالة» [خ¦2302] [خ¦2303] أيضًا و«المغازي» [خ¦4244] [خ¦4245] و«الاعتصام» [خ¦7350] [خ¦7351]، ومسلمٌ في «البيوع» وكذا النَّسائيُّ.
ج4ص92


[1] في (ب): «التحتانية».
[2] في (م): «عن».
[3] قوله: «زاد سليمان بن بلال ... وَالصَّاعَيْنِ»: سقط من (ص).
[4] في غير (د): «الفاضل مالكه»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[5] في (د): «إن».
[6] في (ص) و(د1): «أو».
[7] «به»: ليس في (د).