إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق

2168- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ) بفتح الموحَّدة وكسر الرَّاء الأولى، مولاة قومٍ من الأنصار كما عند أبي نُعيمٍ، وقيل: لآل أبي أحمد بن جحشٍ، وفيه نظرٌ، فإنَّ زوجها مغيثًا هو الذي كان مولى أبي أحمد بن جحشٍ، وقيل: لآل عتبة [1]، وفيه نظرٌ أيضًا؛ لأنَّ مولى عتبة سأل عائشة عن [2] حكم هذه المسألة، فذكرت له قصَّة بَرِيْرَة، أخرجه ابن سعدٍ (فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي) تعني: مواليها (عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ) بفتح الهمزة بوزن: جَوَارٍ، والأصل: أواقيَّ بتشديد الياء، فحُذِفَتْ إحدى الياءين تخفيفًا، والثَّانية على طريق «قاضٍ» (فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ) بفتح الواو من غير همزٍ وتشديد الياء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((أُوقيَّة)) بهمزة مَضْمُومَة، وهي على الأصحِّ: أربعون درهمًا، أي: إذا أدَّتها فهي حرَّةٌ، ويُؤْخَذ منه [3] أنَّ معنى الكتابة: عِتْقُ رَقِيْقٍ بِعِوَضٍ مُؤَجَّلٍ بوقتين فأكثر (فَأَعِينِينِي) بصيغة الأمر للمؤنَّث
ج4ص75
من الإعانة، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ في «باب استعانة المكاتب في الكتابة» [خ¦2563]: ((فأعيتني)) بصيغة الخبر من [4] الماضي من الإعياء، والضَّمير للأواقي، وهو مُتَّجه المعنى، أي: أعجزتني عن تحصيلها، قالت عائشة: (فَقُلْتُ) لها: (إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ) بكسر الكاف، أي: مواليك (أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ) أي: تسع الأواقي ثمنًا عنك وأعتقك (وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ) الَّذي هو سبب الإرث (لِي فَعَلْتُ) ذلك (فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ) أي [5]: من عند عائشة (إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ) مقالةَ عائشةَ رضي الله عنها لها (فَأَبَوْا عَلَيْهَا) أي: امتنعوا، ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ: ((فأبوا ذلك عليها [6] ) ) (فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ) ولأبي ذر عن الحَمُّويي [7] والمُستملي: ((من عندها)) إلى عائشةَ (وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم جَالِسٌ) عندها (فَقَالَتْ) لعائشة: (إِنِّي عَرَضْتُ) ولغير أبي ذرٍّ: ((إنِّي قد عرضت)) (ذَلِكَ) الَّذي قلته [8]، وكاف «ذلكَ» بالفتح في الفرع. وقال في «المصابيح»: بكسرها؛ لأنَّ الخطاب لعائشة (عَلَيْهِمْ) [9]، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((من ذلك عليهم)) (فَأَبَوْا) فامتنعوا منه (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ) استثناءٌ مفرَّغٌ؛ لأنَّ في «أبى» معنى النَّفي، قال الزَّمخشريُّ في قوله تعالى في سورة التَّوبة: {وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} [10] [التَّوبة: 31]: فإن قلت: كيف جاز: أبى الله إلَّا كذا، ولا يُقال: كرهت أو أبغضت إلَّا زيدًا؟ قلت: قد أُجري «أبى» مجرى «لم يُرِد»، ألا ترى كيف قوبل {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} بقوله: {وَيَأْبَى اللهُ}؟ وكيف أوقع موقع: ولا يريد الله إلَّا أن يُتِمَّ نورَه؟
(فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) ذلك من بَرِيْرة على سبيل الإجمال (فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) به على سبيل التَّفصيل، زاد في «الشُّروط» [خ¦2726]: فقال: «ما شأنُ بَرِيْرَة؟» ولمسلمٍ من رواية أبي أسامة، ولابن خُزَيْمةَ من رواية حمَّادِ بن سلمةَ وأحمدَ كلاهما عن هشامٍ: فجاءتني بريرة والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جالسٌ، فقالت لي فيما بيني وبينها ما ردُّ أهلِها، فقلت: لاها الله إذًا، ورفعت صوتي وانتهرتها، فسمع ذلك النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فسألني، فأخبرته (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام لعائشةَ: (خُذِيهَا) أي: اشتريها منهم (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها ما أمرها به عليه الصلاة والسلام من شرائِها، وهذا صريحٌ في أنَّ كِتَابَتَها كانت موجودةً قبل البيع، فيكون دليلًا لقول الشَّافعيِّ في [11] القديم بصحَّة بيع رقبةِ المُكَاتَبِ، ويملكه المشتري مكاتبًا، ويعتق بأداء النجومِ إليه والولاء له، وأمَّا على القول [12] الجديد: إنَّه لا يصحُّ بيع رقبته؛ فاستُشكِل الحديث، وأجيب: بأنَّها عجَزَّت نفسَها، ففسخ مواليها كتابتَها، واستُشكِل الحديث أيضًا من حيث إنَّ اشتراط البائع الولاء لنفسه [13] مفسدٌ للعقد؛ لمخالفته ما تقرَّر في الشَّرع من أنَّ الولاء لمن أعتق، ولأنَّه شرطٌ زائدٌ على مُقْتَضَى العقد لا مصلحة فيه للمشتري، فهو كاستثناء منفعته، ومن حيث إنَّها خدعت البائعين وشرطت لهم ما لا يصحُّ، وكيف أذن لها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في ذلك؟ وأجيب: بأنَّ راويَه هشامًا تفرَّد بقوله: «واشترطي لهم الولاء» فيحمل على وَهَمٍ وقعَ له؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لا يأذن فيما لا يجوز، وهذا منقولٌ عن الشَّافعيِّ في «الأمِّ»، ورأيته عنه في «المعرفة» للبيهقيِّ، وأثبت الرِّواية آخرون، وقالوا: هشامٌ ثقةٌ حافظٌ، والحديث مُتَّفقٌ على صحَّته، فلا وجه لردِّه، وأجاب آخرون: بأنَّ «لهم» بمعنى: عليهم؛ كما في قوله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] وهذا مشهورٌ عن المزنيِّ، وجزم به عنه الخطابيُّ، وأسنده البيهقيُّ في «المعرفة» من طريق أبي حاتم الرَّازيِّ عن حرملةَ عن الشَّافعيِّ، لكن قال النوويُّ: تأويلُ اللَّامِ بمعنى: «على» هنا ضعيفٌ؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام أنكرَ الاشتراطَ، ولو كانت بمعنى: «على»؛ لم ينكره، وأجاب آخرون: بأنَّه خاصٌّ بقصَّة عائشةَ؛ لمصلحة قطع عادتهم، كما خُصَّ فسخُ الحجِّ إلى العمرةِ بالصَّحابةِ [14]؛ لمصلحةِ بيانِ جوازِها في أشهُره، قال النوويُّ: وهذا أقوى الأجوبة، وتعقَّبه ابنُ دقيق العيد: بأنَّ التَّخصيص لا يثبت إلَّا بدليلٍ، وأجاب آخرون: بأنَّ الأمر فيه للإباحة، وهو على وجه التَّنبيه على أنَّ ذلك لا ينفعهم، فوجوده كعدمه، فكأنَّه قال: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدُهم، ويؤيِّد هذا قوله في رواية أيمن الآتية _إن شاء الله تعالى_
ج4ص76
في محلِّه في آخر أبواب «المكاتب»: [خ¦2565] «اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا»، وقيل غير ذلك مما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ في محالِّه، واختُلف هل يجوز بيع الكتابة؟ فقال المالكيَّة: يجوز بيع جميعها أو جزءٍ منها، فإن وفَّى المكاتب ما عليه من نجوم الكتابة للمشتري عَتَقَ، والولاء للأوَّل؛ لأنَّه قد انعقد له أوَّلًا، وإلَّا بأن عجز أو هلك قبل ذلك؛ فهو رقيقٌ للمشتري، وقال الشَّافعيَّة: لا يصحُّ (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) أي: بعد الحمد والثَّناء (مَا بَالُ رِجَالٍ)؟ ما حالهم؟ وحذف الفاء في جواب «أمَّا» دليلٌ على جوازه، ومثله ما سبق في «الحجِّ» في «باب طواف القارن» [خ¦1556] حيث قال: «وأمَّا الَّذين جمعوا بين الحجِّ والعمرة؛ طافوا» بغير فاءٍ، لكنَّه نادرٌ (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ) جواب «ما» الموصولة المتضمِّنة لمعنى الشَّرطِ (وَإِنْ كَانَ) المشروط (مِئَةَ شَرْطٍ) مبالغةٌ وتأكيدٌ (قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ) بالاتِّباع من الشُّروط المخالفة له (وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ) باتِّباع حدوده التي حدَّها، وليس أفعل التَّفضيل هنا على بابه؛ إذ لا مشاركة بين الحقِّ والباطل (وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وكلمة: «إنَّما» للحصر، فيستفاد منه إثبات الحكم للمذكور ونفيه عمَّا عداه، ولولا ذلك لما لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عن غيره.
ج4ص77


[1] في (م): «عقبة»، كذلك في الموضع اللَّاحق.
[2] في (ص) و(م): «في».
[3] «منه»: ليس في (د).
[4] «من»: مثبت من (د1) و(ص) و(م).
[5] «أي»: ليس في (د).
[6] «عليها»: ليس في (د1) و(ص) و(م).
[7] في غير (د): «وللحَمُّويي».
[8] في (د): «فامتنعوا منه».
[9] قوله: «وكاف ذلكَ بالفتح في الفرع...لعائشة. عَلَيْهِمْ» سقط من (م).
[10] الآيه: مثبت من (ب) و(س).
[11] «في»: مثبت من (د).
[12] في (ب) و(س): «قوله» وفي (د1): «قول».
[13] «لنفسه»: مثبت من (د).
[14] «بالصَّحابة»: ليس في (ص)، وفي (م): «بالصحبة».