إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا تلقوا الركبان ولا يبيع حاضر لباد

2158- وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح المهملة وسكون اللَّام، الخاركيُّ [1] قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) بسكون العين وفتح الميمين، ابن راشدٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ) أصله: «لاتتلَّقوا» فحُذِفت إحداهما، و«الرُّكبان»: بضمِّ الرَّاء، جمع راكبٍ، وزاد الكُشْمِيْهَنِيُّ: ((للبيع)) (وَلَا يَبِيعُ) بالرَّفع على النَّفي، ولأبي ذرٍّ: ((ولا يَبِعْ))؛ بالجزم على النَّهي (حَاضِرٌ لِبَادٍ قَالَ) طاوسٌ: (فَقُلْتُ لاِبْنِ
ج4ص71
عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما: (مَا قَوْلُهُ) أي: ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (لَا يَبِيعُ) بالرَّفع (حَاضِرٌ لِبَادٍ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا) بكسر المهملة الأولى وبينهما ميمٌ ساكنةٌ، أي: دلَّالًا، واستنبط المؤلِّف منه: تخصيص النَّهي عن بيع الحاضر للبادي إذا كان بالأجر، وقَوِيَ ذلك بعموم حديث [خ¦57]: «النُّصح لكلِّ مسلمٍ»، وخصَّه الحنفيَّة بزمن القحط؛ لأنَّ فيه إضرارًا بأهل البلد فلا يُكرَه زمن الرُّخص، وتمسَّكوا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «الدِّين النَّصيحة»، وزعموا أنَّه ناسخٌ لحديث النَّهي، وحمل الجمهور حديث: «الدِّين النَّصيحة» على عمومه إلَّا في بيع الحاضر للبادي، فهو خاصٌّ يقضي على العامِّ، وصورة بيع الحاضر للبادي عند الشَّافعيَّة والحنابلة: أن يمنع الحاضر البادي من بيع متاعه بأن يأمره بتركه عنده ليبيعه له [2] على التَّدريج بثمنٍ غالٍ، والمبيع ممَّا تعمُّ حاجة أهل البلد إليه، فلو انتفى عموم الحاجة إليه؛ كأن لم يُحتَج إليه إلَّا نادرًا، أو عمَّت وقصد البدويُّ بيعه بالتَّدريج، فسأله الحاضر أن يفوِّضه إليه، أو قصد بيعه بسعر يومه، فقال له: اتركه عندي لأبيعه كذلك [3]؛ لم يحرم؛ لأنَّه لم يضرَّ بالنَّاس، ولا سبيل إلى منع المالك منه؛ لما فيه من الإضرار به، ولو قال [4] البدويُّ للحاضر ابتداءً: أتركه عندك [5] لتبيعه بالتَّدريج؛ لم يحرم أيضًا، وجعل المالكيَّة البداوة قيدًا، فجعلوا الحكم منوطًا بالبادي ومن شاركه في معناه؛ لكونه الغالب، فأُلحِق به من يشاركه في عدم معرفة السِّعر الحاضر، فإضرار أهل البلد بالإشارة عليه بألَّا يبادر بالبيع [6]، وعن مالكٍ: لا يلتحق بالبدويِّ في ذلك إلَّا من كان يشبهه، قال: فأمَّا أهل القرى الذين يعرفون أثمان السِّلع والأسواق؛ فليسوا داخلين في ذلك، ولا يبطل البيع عند الشَّافعيَّة وإن كان مُحرَّمًا؛ لرجوع النَّهي فيه إلى معنًى يقترن به لا إلى ذاته، وقال المالكيَّة: إن باع حاضرٌ لعموديٍّ؛ فُسِخ البيع، وأُدِّب الحاضرُ البائعُ للعموديِّ، وهو المشهور، وهو قول مالكٍ وابن القاسم وأصبغ، وقال الحنابلة: لا يصحُّ بيع حاضرٍ لبادٍ بشروطه، وهي خمسةٌ: أن يحضر البادي ليبيع سلعةً [7] بسعر يومها جاهلًا بسعرها ويقصده [8] الحاضر ويكون بالمسلمين حاجةٌ إليها، فباجتماع [9] هذه الشُّروط يَحْرُم البيع ويبطل على المذهب، فإن اختلَّ منها شرطٌ صحَّ البيع على الصَّحيح من المذهب، وعليه أكثر [10] الأصحاب. انتهى. ولو استشار البدويُّ الحاضر فيما فيه حظُّه؛ ففي وجوب إرشاده إلى الادِّخار والبيع بالتَّدريج وجهان؛ أحدهما: نعم؛ بذلًا للنَّصيحة، والثَّاني: لا؛ توسُّعًا [11] على النَّاس، قال الأذرعيُّ: والأوَّل أشبه.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا [12] في «الإجارة» [خ¦2274]، ومسلمٌ وأبو داود في «البيوع»، والنَّسائيُّ وابن ماجه في «التِّجارات».
ج4ص72


[1] في هامش (ص): (قوله: «الخَاركيُّ»: قال السَّمعانيُّ: بفتح الخاء والرَّاء بعد الألف، وفي آخرها كافٌ، قال في «اللُّباب»: هذه النِّسبة إلى جزيرة في البحر قريبةٍ من عمان، اسمها خارك، منها: أبو همام الصَّلت بن محمَّد بن عبد الرَّحمن، يروي عن ابن عيينة، وعنه: البخاريُّ). انتهى. «ترتيب».
[2] «له»: ليس في (د).
[3] في (د): «لك».
[4] «لو»: ليس في (د).
[5] في (د): «اتركه عندي»، وهو تكرارٌ وخطأ.
[6] «بالبيع»: ليس في (د1) و(ص) و(م).
[7] في (د): «لبيع سلعته».
[8] في (د): «ويعضده».
[9] في غير (ب) و(س): «فاجتماع».
[10] في (ص): «الأكثر من».
[11] في (ب) و(س): «توسيعًا».
[12] «أيضًا»: ليس في (د).