إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن رسول الله نهى عن المنابذة

2144- وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين وفتح الفاء وبعد المُثنَّاة التَّحتيَّة السَّاكنة راءٌ، ونسبه لجدِّه لشهرته به [1]، واسم أبيه: كثيرٌ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن أبي وقَّاصٍ: (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريَّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم نَهَى) نهيَ تحريمٍ (عَنِ الْمُنَابَذَةِ) بضمِّ الميم وبالذَّال المعجمة، قال أبو سعيدٍ الخدريُّ: (وَ) المنابذة (هيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ) لمن يريد شراءه (بِالْبَيْعِ) أي: بسببه (إِلَى رَجُلٍ) آخر (قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ) ظهرًا لبطنٍ (أَوْ) قبل أن (يَنْظُرَ إِلَيْهِ) ويتأمَّله (وَنَهَى) النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام [2] (عَنِ الْمُلَامَسَةِ؛ وَالْمُلَامَسَةُ) هي (لَمْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ) المستام [3] (إِلَيْهِ).
وعند المؤلِّف في «اللِّباس» [خ¦5820] من طريق يونس عن الزُّهريِّ: والملامسة: لَمْسُ الرَّجل ثوب الآخر بيده باللَّيل أو بالنَّهار ولا يقلِّبه إلَّا بذلك، والمنابذة: أن ينبذ الرَّجلُ إلى الرَّجل بثوبه وينبذ إليه [4] الآخر بثوبه، ويكون ذلك بيعَهما من غير نظرٍ ولا تراضٍ.
وللنَّسائيِّ من حديث أبي هريرة: والملامسة: أن يقول الرَّجل للرَّجل: أبيعك ثوبي بثوبك، ولا ينظر واحدٌ منهما إلى ثوب الآخر، ولكن يلمسه لمسًا، والمنابذة أن يقول: أنبذ ما معي وتنبذ ما معك؛ ليشتري كلُّ واحدٍ منهما من الآخر، ولا يدري كلُّ واحدٍ منهما كم مع الآخر ونحو ذلك، ولمسلمٍ من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة: أمَّا الملامسة؛ فأن يلمس كلُّ واحدٍ منهما ثوب صاحبه بغير تأمُّلٍ، والمنابذة: أن ينبذ كلُّ واحدٍ منهما ثوبه إلى الآخر، لم ينظر كلُّ [5] واحدٍ منهما إلى ثوب صاحبه، وهذا التَّفسير الذي في حديث أبي هريرة أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة؛ لأنَّهما _كما مرَّ_ «مفاعلةٌ»، فتستدعي وجود الفعل من الجانبين، وظاهر الطُّرق كلِّها: أنَّ التَّفسير من الحديث المرفوع، لكن وقع في رواية النَّسائيِّ ما يُشعِر بأنَّه من كلامِ مَنْ دون النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولفظه: وزعم أنَّ الملامسة أن يقول... إلى آخره فالأقرب أن يكون ذلك من كلام الصَّحابيِّ؛ لأنَّه يبعد أن يعبِّر الصَّحابيُّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذا اللَّفظ، واختُلِف في تفسير الملامسة على ثلاث [6] صورٍ؛ إحداها: أن يكتفي باللَّمس عن النَّظر ولا خيار له بعده بأن يلمس ثوبًا لم يره، ثمَّ يشتريه على أن لا خيار له إذا [7] رآه، الثَّاني: أن يجعل [8] اللَّمس بيعًا بأن يقول: إذا لمسته؛ فقد بعتكه؛ اكتفاءً بلمسه عن الصِّيغة، الثَّالثة: أن يبيعه شيئًا على أنَّه متى لمسه لزم البيع، وانقطع خيار المجلس وغيره؛ اكتفاءً بلمسه عن الإلزام بتفرُّقٍ أو تخايرٍ، وبطلان البيع المستفاد من النَّهي لعدم رؤية المبيع، واشتراط نفي الخيار في الأولى، ونفي الصِّيغة في عقد البيع في الثَّانية، وشرط نفي الخيار في الثَّالثة [9].
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «اللِّباس» [خ¦5820]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «البيوع».
ج4ص64


[1] «به»: ليس في (د).
[2] «النَّبيُّ»: ليس في (د) و(ص) و(م).
[3] في (د): «المشتري»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[4] «إليه»: ليس في (د1) و(م)، و«ينبذ»: سقط من (د1).
[5] «كلُّ»: ليس في (س).
[6] في (ل): «ثلاثة»، وفي هامشها: (قوله: «ثلاثة»: كذا بخطِّه، والأَولى: ثلاث؛ لأنَّه كان بخطِّه: ثلاثة أوجه، فضرب على لفظ «أوجه» مع إبقاء التاء في «ثلاثة»، فيكون الثاني والثالث مبنيًّا على لفظ «أوجه» الذي ضرب عليه). انتهى. بخطِّ شيخنا عجمي.
[7] في (م): «إن».
[8] في (د): «يجعلا».
[9] في (د): «في الأوَّل،.... في الثَّاني،.... في الثَّالث».