إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن هذا قد تبعنا فإن شئت أن تأذن له فأذن له

2081- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (شَقِيقٌ) هو ابن سلمةَ أبو وائلٍ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم يُعرف اسمه (يُكْنَى) بضمِّ التَّحتيَّة [1] وسكون الكاف (أَبَا شُعَيْبٍ) بالجرِّ على الإضافة، ووقع في «اليونينيَّة» ضبطه بالرَّفع أيضًا (فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ) بفتح القاف وتشديد الصَّاد المهملة، والجرِّ صفة لـ «غلامٍ» أي: جزَّارٍ، وفي «المظالم» [خ¦2456] من وجهٍ آخرَ عن الأعمش: كان له غلامٌ لحَّامٌ، ولم يسمِّ الغلام: (اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً) من النَّاس، وفي رواية جريرٍ عن الأعمش عند مسلمٍ: «اصنع لي طعامًا لخمسةِ نفرٍ» (فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) حال كونه (خَامِسَ خَمْسَةٍ) ويجوز الرَّفع بتقدير: هو خامس خمسةٍ، أي: أحدهم، يُقال: خامس خمسةٍ وخامس أربعةٍ بمعنًى، قال الله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} [التوبة: 40] و{ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73] وفي حديث ابن مسعود: «رابع أربعةٍ»، ومعنى: خامس أربعةٍ، أي: زائدٌ [2] عليهم، قال المهلَّب: إنَّما صنع طعام خمسةٍ؛ لعلمه أنَّه عليه الصلاة والسلام سيتبعه من أصحابه غيره، ويحتمل أنَّ أبا شعيبٍ حين رأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وعرف في وجهه الجوع؛ رأى معه جالسين [3]. انتهى. (فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ) صلى الله عليه وسلم (الْجُوعَ، فَدَعَاهُمْ) بعد أن صنع الطَّعام، وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش عند مسلمٍ والتِّرمذيِّ: فدعاه وجلساءَه الذين معه، وكأنَّهم كانوا أربعةً وهو عليه الصلاة والسلام خامسهم (فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ) سادسٌ لم يُسمَّ أيضًا (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) لأبي شعيبٍ الأنصاريِّ: (إِنَّ هَذَا) الرَّجل (قَدْ تَبِعَنَا) بفتح الفوقيَّة وكسر الموحَّدة، وفي رواية أبي عَوانة وجريرٍ: «اتَّبعنا» بالتَّشديد، وفي رواية أبي معاوية: «لم يكن معنا حين دعوتَنا» (فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ) في الدُّخول (فَائْذَنْ لَهُ) وسقط قوله «فَائْذَنْ له» في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر (وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ، فَقَالَ) ولأبي الوقت: ((قال)): (لَا) يرجع (بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ) زاد في رواية جريرٍ: «يا رسول الله»، ولفظ رواية أبي معاوية: فقد أذنَّا له، فليدخل، وإنَّما توقَّف عليه الصلاة والسلام عن إذنه لهذا الرَّجل السَّادس بخلاف طعام أبي طلحة؛ لأنَّ الدَّاعيَ في هذه القصَّة حَصَر العدد بقصده أوَّلًا؛ حيث قال: طعام خمسة، مع أنَّ له عليه الصلاة والسلام التَّصرُّف [4] في مال كلٍّ من الأمَّة بغير حضوره بغير رضاه، لكنَّه لم يفعل ذلك إلَّا بالإذن؛ تطييبًا لقلوبهم، وتشريعًا لأمَّته، وفيه: أنَّ [5] من تطفَّل في الدَّعوة كان لصاحب الدَّعوة الاختيار في حرمانه، فإن دخل بغير إذنه كان له إخراجه، وأنَّ من قصد التَّطفُّل لم يُمنع ابتداءً؛ لأنَّ الرَّجل تبع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فلم يردّه؛ لاحتمال أن تطيبَ نفس صاحب الدَّعوة بالإذن له، وأنَّ الطُّفيليَّ يأكل حرامًا، وقد روى أبو داود الطَّيالسيُّ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من مشى إلى طعامٍ لم يُدْعَ إليه مشى فاسقًا، وأكل حرامًا، ودخل سارقًا، وخرج مُغيرًا»، وللخطيب البغداديِّ في «أخبار الطُّفيليِّين» جزءٌ فيه فوائد يأتي منها في «كتاب الأطعمة» _إن شاء الله تعالى_ طائفةٌ مع بقيَّة المباحث.
وفي حديث الباب عَلَمٌ من أعلام النُّبوَّة؛ فإنَّ الأنصاريَّ لم يقل لغلامه: «طعام خمسة» بحضرة الرَّسول صلى الله عليه وسلم، فأطلع الله تعالى نبيَّه على أنَّه حجَّر الدَّعوة
ج4ص25
ولم يطلقها، وقد أخرج الحديثَ أيضًا في «المظالم» [خ¦2456] و«الأطعمة» [خ¦5461]، ومسلمٌ في «الأطعمة»، والتِّرمذيُّ في «النِّكاح»، والنَّسائيُّ في «الوليمة».
ج4ص26


[1] في (د): «بالتَّحتانيَّة».
[2] في (د): (زائدًا).
[3] قوله: «ويحتمل أنَّ أبا شعيبٍ ... رأى معه جالسين» مثبتٌ من (ب) و(س).
[4] «التَّصرُّف»: ليس في (م).
[5] «أنَّ»: ليس في (ص).