إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة

447- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ الأسديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ [1]) الدَّبَّاغ الأنصاريُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ) بفتح الحاء المُهمَلة وتشديد الذَّال المعجمة (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله [2] رضي الله عنهما (وَلاِبْنِهِ) أي: لابن عبد الله بن عبَّاسٍ (عَلِيٍّ) أبي الحسن العابد الزَّاهد، المُتوفَّى بعد العشرين والمئة، وكان مولده يوم قُتِل عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، فسُمِّي باسمه، وكان _فيما قِيلَ_ أجملَ قرشيٍّ [3] في الدُّنيا: (انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ رضي الله عنه (فَاسْمَعَا) ولأبي ذَرٍّ: ((واسمعا)) (مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ) أي: أبو سعيدٍ (فِي حَائِطٍ) أي: بستانٍ (يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى) بالحاء المهملة والمُوحَّدة، أي: جمع ظهره وساقيه بنحو عمامته أو بيديه (ثُمَّ أَنْشَأَ) أي: شَرَعَ (يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ) وللأربعة وكريمة: ((حتَّى إذا أتى على ذكر)) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن المُستملي [4] والكُشْمِيْهَنِيِّ: ((حتَّى أتى على ذكر)) (بِنَاءِ الْمَسْجِدِ) النَّبويِّ (فَقَالَ) أبو سعيدٍ: (كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً) بفتح اللَّام وكسر المُوحَّدة: الطُّوب النَّيِّء (وَعَمَّارٌ) هو ابن ياسرٍ، وأمُّه سميَّة [5]، يحمل (لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ) ذكرهما مرَّتين كلبنةٍ، وزاد مَعْمَرٌ في روايته [6] في «جامعه»: لَبِنَةً عنه ولبنةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) الضَّمير المنصوب لعمَّارٍ رضي الله عنه (فَيَنْفُضُ) بصيغة المضارع في موضع الماضي لاستحضار ذلك في نفس السَّامع كأنَّه يشاهده [7]، ولأبي الوقت وابن عساكر: ((فنفض)) بصيغة الماضي، وللأَصيليِّ وعزاها في «الفتح» للكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فجعل ينفض)) (التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ) في تلك الحالة: (وَيْحَ عَمَّارٍ) بفتح الحاء والإضافة، كلمةُ رحمةٍ لمن وقع في هَلَكَةٍ لا يستحقُّها، كما أنَّ «ويل» كلمةُ عذابٍ لمن يستحقُّها (تقتله الفئة الباغية، يَدْعُوهُمْ) أي: يدعو عمَّارٌ الفئةَ الباغية، وهم أصحاب معاوية رضي الله عنه الَّذين قتلوه في وقعة صفِّين (إِلَى) سبب (الْجَنَّةِ) وهو طاعة عليّ بن أبي طالبٍ [8] رضي الله عنه، الإمام الواجب الطَّاعة إذ ذاك (وَيَدْعُونَهُ إِلَى) سبب (النَّارِ) لكنَّهم معذورون للتَّأويل [9] الَّذي ظهر لهم؛
ج1ص441
لأنَّهم كانوا مجتهدين ظانِّين أنَّهم يدعونه إلى الجنَّة، وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك فلا لوم عليهم في اتِّباع ظنونهم؛ فإنَّ المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجرٌ واحدٌ، وأُعِيد الضَّمير عليهم وهم غير مذكورين صريحًا، لكن وقع في رواية ابن السَّكن وكريمة وغيرهما، وثبت في نسخة الصَّغَّانيِّ المقابلة على نسخة الفرَبْريِّ الَّتي بخطِّه _وهو الَّذي ثبت في أصل «اليونينيَّة»_ وسقط عنده لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ [10] «ويح عمَّارٍ تقتله الفئة الباغية يدعوهم» والفئة: هم أهل الشَّام، وهذه الزِّيادة حذفها المؤلِّف لنكتةٍ؛ وهي أنَّ أبا سعيدٍ الخدريَّ رضي الله عنه لم يسمعها من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، كما بيَّن ذلك في رواية البزَّار من طريق داود بن أبي هندٍ عن أبي نضرة عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه، ولفظه: قال أبو سعيدٌ: فحدَّثني أصحابي ولم أسمعه من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «يا ابن سميَّة، تقتلك الفئة الباغية» وإسناده على شرط مسلمٍ لا المؤلِّف، ومن ثمَّ اقتصر على القدر الَّذي سمعه أبو سعيدٍ من الرَّسول صلى الله عليه وسلم دون غيره (قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ). واستُنبِط منه: استحباب الاستعاذة من الفتن ولو علم المرء أنَّه يتمسَّك فيها بالحقِّ لأنَّها قد تفضي إلى ما لا يرى وقوعه، وفيه ردٌّ على ما اشتُهِر على الألسنة ممَّا لا أصل له: لا تستعيذوا من الفتن أو لا تكرهوا الفتن فإنَّ فيها حصاد المنافقين.
ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦2812] و«الفتن» [خ¦7079].
ج1ص442


[1] في (د): «المختار».
[2] «عبد الله»: ليس في (د).
[3] في (د): «قريش»، وهو تحريفٌ.
[4] «المُسْتَملي و»: مثبتٌ من (د) و(م).
[5] «وأمُّه سميَّة»: مثبتٌ من (م).
[6] «في روايته»: مثبتٌ من (م).
[7] في (د) و(م): «شاهده».
[8] «ابن أبي طالبٍ»: ليس في (د).
[9] في (د): «بالتَّأويل».
[10] قوله: «وهو الَّذي ثبت في أصل اليونينيَّة، وسقط عنده لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ» مثبتٌ من (د) و(م).