إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أين تحب أن أصلي من بيتك؟

425- وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء، نسبه إلى جدِّه لشهرته به [1]، وأبوه كَثِيرٌ، وعين «سعيد» مكسورةٌ، وهو مصريٌّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأَيْلِيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) بفتح الرَّاء (الأَنْصَارِيُّ: أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ) الأعمى، وعين «عِتبان» بالكسر والضَّمِّ، وعند أبي عَوانة من رواية الأوزاعيِّ عن ابن شهابٍ التَّصريح بتحديث [2] عِتْبان لمحمودٍ، كما عند المؤلِّف التَّصريح بسماع محمودٍ من عِتْبان (وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ) رضي الله عنهم (أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ) ولـ «مسلمٍ»: أنَّه بعث إلى رسول الله (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وجمع بينهما بأنَّه جاء إليه مرَّةً بنفسه، وبعث إليه أخرى (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي) أراد به: ضعف بصره كما لـ «مسلمٍ»، أو عَمَاه كما عند غيره، والأَوْلى أن يكون أطلق العمى لقربه منه، ومشاركته له في فوات بعض ما كان يعهده في حال الصِّحَّة (وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي) أي: لأجلهم، يعني [3]: أنَّه كان يؤمُّهم (فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ) أي: وُجِدت (سَالَ) الماء في (الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ) فيحول بيني وبين الصَّلاة معهم لأنِّي (لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ) ولابن عساكر: ((المسجد)) (فَأُصَلِّيَ بِهِمْ) بالمُوحَّدة، ونُصِب «أصلِّيَ» عطفًا على «آتي»، وللأَصيليِّ: ((فأصلّي لهم)) أي: لأجلهم (وَوَدِدْتُ) بكسر الدَّال الأولى، أي: تمنَّيت (يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ) بالسُّكون أو بالنَّصب كما في الفرع وأصله [4] جوابًا للتَّمنِّي (فِي بَيْتِي، فَأَتَّــخِذهُ مُصَلًّى) برفع «فأتَّخذُه» على الاستئناف، أو بالنَّصب أيضًا _كما في الفرع وأصله [5] _ عطفًا على الفعل [6] المنصوب، كذا قرَّره الزَّركشيُّ وغيره [7]، وتعقَّبه البدر [8] الدَّمامينيُّ فقال: إن ثبتت الرِّواية بالنَّصب فالفعل منصوبٌ بـ «أنْ» مُضمَرةً، وإضمارها هنا جائزٌ لا لازمٌ، وأنْ والفعل بتقدير مصدرٍ معطوفٍ على المصدر المسبوك من «أنَّك تأتيني» أي: وددت إتيانك فصلاتك [9] فاتِّخاذي مكان صلاتك مُصلًّى، وهذا ليس في شيءٍ من جواب التَّمنِّي الَّذي يريدونه، وكيف ولو ظهرت «أنْ» هنا لم يمتنع، وهناك يمتنع، ولو رُفِع «تصلِّي» [10] وما بعده بالعطف على الفعل المرفوع المتقدِّم؛ وهو [11] قولك: «تأتيني» لَصَحَّ، والمعنى بحاله. انتهى.
(قَالَ) الرَّاوي: (فَقَالَ لَهُ) أي: لعِتْبان (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: سَأَفْعَلُ) ذلك (إِنْ شَاءَ اللهُ) علَّقه بمشيئة الله تعالى لآية الكهف، لا لمُجرَّد التَّبرُّك لأنَّ ذاك حيث كان الشَّيء مجزومًا به، قاله البرماويُّ كالكرمانيِّ، وجوَّز العينيُّ _كابن حجرٍ_ كونه للتَّبرُّك لأنَّ اطِّلاعه صلى الله عليه وسلم بالوحي على الجزم بأنَّ ذلك سيقع غير مُستبعَدٍ.
(قَالَ عِتْبَانُ) يحتمل أن يكون محمودٌ أعاد اسم شيخه اهتمامًا بذلك لطول الحديث (فَغَدَا رَسُولُ اللهِ) ولأبي الوقت وأبي ذَرٍّ عن
ج1ص427
الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: ((فغدا عليَّ رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه. زاد الإسماعيليُّ: «بالغد» وللطَّبرانيِّ: أنَّ السُّؤال كان يوم الجمعة، والمجيء إليه يوم السَّبت (حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) في الدُّخول (فَأَذِنْتُ لَهُ) وفي رواية الأوزاعيِّ: «فاستأذنَا فأذنت لهما» أي: للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ، وفي رواية أبي أُويسٍ: ومعه أبو بكرٍ وعمر، ولـ «مسلمٍ» من طريق أنسٍ عن عِتْبان: فأتاني ومَن شاء الله من أصحابه، وجُمِع بينهما: بأنَّه كان عند ابتداء التَّوجُّه هو وأبو بكرٍ، ثم عند الدُّخول اجتمع عمر وغيره، فدخلوا معه عليه الصلاة والسلام (فَلَمْ يَجْلِسْ) عليه الصلاة والسلام (حِينَ دَخَلَ الْبَيْتَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((حتَّى دخل)) أي: لم يجلس في الدار ولا غيرها حتَّى دخل البيت مبادرًا إلى ما جاء بسببه (ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((في بيتك)) (قَالَ) عِتْبان: (فَأَشَرْتُ لَهُ) عليه الصلاة والسلام (إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ) يصلِّي فيها (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا فصففنا) بالفكِّ للأربعة، و«نا» فاعلٌ، ولغيرهم: ((فَصَفَّنَا)) بالإدغام و«نا»: مفعولٌ (فَصَلَّى) عليه الصلاة والسلام (رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ) من الصَّلاة. واستُنْبِط منه: مشروعيَّة صلاة النَّافلة في جماعةٍ بالنَّهار.
(قَالَ) عِتبان: (وَحَبَسْنَاهُ) أي: منعناه بعد الصَّلاة عن [12] الرُّجوع (عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الزَّاي وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الرَّاء آخره هاء [13] تأنيثٍ، لحمٌ يُقطَع [14] صغارًا يُطبَخ بماءٍ، يُذرُّ عليه بعد النُّضج من دقيقٍ، وإن عَرَتْ عن اللَّحم فَعَصِيدَةٌ، وقال النَّضر: هي من [15] النُّخَالة والحَرِيرَة؛ بالمُهمَلات: دقيقٌ يُطبَخ بلبنٍ (قَالَ) عِتْبان: (فَثَابَ) بالمُثلَّثة والمُوحَّدة بينهما ألفٌ، أي: جاء (فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ) أي: المحلَّة (ذَوُو عَدَدٍ) بعضهم إثر بعض لمَّا سمعوا بقدومه عليه الصلاة والسلام (فَاجْتَمَعُوا) «الفاء» للعطف، ومن ثمَّ لا يحسن تفسير: «ثاب رجالٌ» بـ «اجتمعوا» لأنَّه يلزم منه عطف الشَّيء على مرادفه، وهو خلاف الأصل، فالأَوْلى تفسيره بـ «جاء بعضهم إثر بعض» كما مرَّ، ونبَّه عليه في «المصابيح» (فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) لم يُسمَّ: (أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ؟) بضمِّ الدَّال المُهمَلة وفتح الخاء المُعجمَة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الشِّين المُعجمَة آخره نونٌ، والَّذي في «اليونينيَّة»: ((الدُّخَيْش)) بغير نونٍ [16] (أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ) بضمِّ أوَّله وثالثه وسكون ثانيه، شكَّ الرَّاوي هل هو مُصغَّرٌ أو مُكبَّرٌ؟ لكن عند المؤلِّف رحمه الله في «المحاربين» [خ¦6539] من رواية مَعْمَرٍ، مُكبَّرًا من غير شكٍّ، وفي رواية لـ «مسلمٍ»: الدُّخشم؛ بالميم، ونقل الطَّبرانيُّ عن أحمد بن صالحٍ أنَّه الصَّواب (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) قِيلَ: هو عِتْبان بن مالكٍ راوي الحديث: (ذَلِكَ) باللَّام، أي: ابن الدُّخَيْشِن، أو ابن الدُّخْشُن، أو ابن الدُّخشم (مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ) لكونه يودُّ [17] أهل النِّفاق (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) رادًّا على القائل مقالته هذه:
(لَا تَقُلْ ذَلِكَ) عنه (أَلَا تَرَاهُ) بفتح المُثنَّاة (قَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: مع قول محمَّدٍ رسول الله (يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ؟!) أي: ذات الله تعالى، فانتفت عنه الظُّنَّة [18] بشهادة الرَّسول له بالإخلاص، ولله المنَّة ولرسوله (قَالَ) القائل: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) بذلك، وعند مسلمٍ: «أليس يشهد أن لا إله إِلَّا الله» وكأنَّه فهم من الاستفهام عدم الجزم بذلك، ولذا (قَالَ: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ) أي: توجُّهه (وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ، قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((فقال)) (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، يَبْتَغِي) أي: يطلب (بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ) عزَّ وجلَّ، إذا أدَّى الفرائض واجتنب المناهي، وإِلَّا فمجرَّد التَّلفُّظ بكلمة الإخلاص لا يُحرَّم [19] على النَّار لما ثبت من دخول أهل المعاصي فيها، أو المراد من التَّحريم هنا: تحريم التَّخليد جمعًا بين الأدلَّة.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ، أي: بالسَّند الماضي: (ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ من غير «اليونينيَّة» [20]: ((ثمَّ سألت بعد ذلك الحصين)) (بْنَ مُحَمَّدٍ) بحاءٍ مضمومةٍ وصادٍ مفتوحةٍ مهملتين ثمَّ مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ، وضبطه القابسيُّ بضادٍ مُعجمَةٍ، وغلَّطوه (الأَنْصَارِيَّ) المدنيَّ، من ثقات التَّابعين (وَهْوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ، وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ) بفتح السِّين المُهمَلة؛ أي:
ج1ص428
خيارهم (عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) ولابن عساكر زيادة: ((الأنصاريَّ)) (فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ) أي: بالحديث المذكور.
ج1ص429


[1] «لشهرته به»: ليس في (ص) و(م).
[2] في (د): «بحديث».
[3] في (م): «أي».
[4] «وأصله»: مثبتٌ من (م).
[5] «وأصله»: ليس في (د) و(س).
[6] في (م): «المفعول»، وليس بصحيحٍ.
[7] «وغيره»: ليس في (م).
[8] «البدر»: مثبتٌ من (م).
[9] في (د): «لصلاتك».
[10] في (ص): «مُصلَّى»، وهو تحريفٌ.
[11] «وهو»: ليس في (د).
[12] في (م): «من».
[13] في (د): «تاء».
[14] في (م): «متقطِّعٌ».
[15] «من»: ليس في (د).
[16] قوله: «والَّذي في اليونينيَّة: الدُّخَيْش؛ بغير نونٍ» مثبتٌ من (م).
[17] في (د): «يوادُّ».
[18] في (د): «المظنَّة»، وفي (م): «الظَّنِّيَّة».
[19] «على»: ليس في (ص) و(م).
[20] «من غير اليونينيَّة»: مثبتٌ من (م).