إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب التعاون في بناء المسجد

(63) (بابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((المساجد)) بالجمع ({مَا كَانَ}) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ [1]: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: {مَا كَانَ})) ولابن عساكر: ((قوله تعالى: {مَا كَانَ})) ({لِلْمُشْرِكِينَ}) أي: ما صحَّ لهم
ج1ص440
({أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ}) قال البيضاويُّ: أي: شيئًا من المساجد فضلًا عن المسجد الحرام، وقِيلَ: هو المراد، وإنَّما جُمِع لأنَّه قبلة المساجد وأمُّها وإمامها، فعامره كعامر الجميع، ويدلُّ عليه قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو ويعقوب بالتَّوحيد [2] ({شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ}) بإظهار الشِّرك وتكذيب الرَّسول صلى الله عليه وسلم، أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارةُ بيت الله وعبادةُ غيره، رُوِي: أنَّه لمَّا أُسِر العبَّاس يوم بدرٍ، وعيَّره المسلمون بالشِّرك وقطيعة الرَّحم، وأغلظ له عليٌّ رضي الله عنه في القول، فقال: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، إنَّا لَنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفكُّ العاني، فنزلت: ({أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}) الَّتي [3] يفتخرون بها لأنَّ الكفر يُذهِب ثوابَها ({وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}) لأجله ({إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}) أي: إنَّما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلميَّة والعمليَّة، ومن عمارتها تزيينُها بالفرش وتنويرها بالسُّرج، وإدامة العبادة والذِّكر ودروس العلم فيها، وصيانتها ممَّا لم تُبْنَ [4] له كحديث الدُّنيا، وفي حديث أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنهن في مُسنَد عبد بن حُمَيْدٍ مرفوعًا: «إنَّ عمَّار المساجد هم أهل الله» ورُوِي أنَّ الله تعالى يقول: «إنَّ بيوتي في الأرض [5] المساجد، وإنَّ زوَّاري فيها عمُّارُها، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثمَّ زارني في يتي، فحقٌّ على المَزُور أن يكرم زائرَه» ({وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ}) في أبواب الدِّين ({فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 17-18]) قِيلَ: الإتيانُ بلفظ: «عسى» إشارةٌ إلى ردع الكفَّار وتوبيخهم بالقطع في [6] زعمهم أنَّهم مهتدون، فإنَّ هؤلاء مع هذه الكمالات اهتداؤهم دائرٌ بين «عسى» و«لعلَّ»، فما ظنُّك بمَنْ هو أضلُّ من البهائم، وإشارةٌ أيضًا إلى منع المؤمنين من الاغترار والاتِّكال على الأعمال. انتهى. وقد ذكر هاتين الآيتين هنا [7] في الفرع وأصله [8]، لكنَّه رُقِم على قوله: {شاهدين} علامة السُّقوط إلى آخرها [9]، ولفظ رواية أبي ذَرٍّ: (({أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ})) الآيةَ، ولفظ [10] الأَصيليِّ: (({مَسَاجِدَ اللهِ}... إلى قوله: {مِنَ المُهْتَدِينَ})).
ج1ص441


[1] في (م): «عن الكُشْمِيهَنِي»، وكذا في «اليونينيَّة».
[2] زيد في (م): «عند الحراب فيه أو أعمُّ».
[3] في (د): «الَّذين»، وليس بصحيحٍ.
[4] في (م): «يسن»، وهو تحريفٌ.
[5] في غير (د): «أرضي».
[6] في (م): «عن».
[7] «هنا»: ليس في (م).
[8] «وأصله»: مثبتٌ من (م).
[9] في (م): «آخرهما».
[10] زيد في (ب): «رواية».