إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: شبهتمونا بالحمر والكلاب والله لقد رأيت النبي

514- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) ولأبي ذَرٍّ زيادة [1]: ((ابن غياثٍ)) بالمُثلَّثة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ، ولابن عساكر: ((عن إبراهيم)) (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ) أُمِّ المؤمنين (عَائِشَةَ) رضي الله عنها.
(قَالَ الأَعْمَشُ) بسنده السَّابق: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُسْلِمٌ) هو ابن صبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنَّه قال: (ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا) أي: الَّذي (يَقْطَعُ الصَّلَاةَ) فقالوا: يقطعها (الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ) و«الموصول» مُبتدَأُ، و«الكلب» خبره، وتاليه [2] عطفٌ عليه (فَقَالَتْ) عائشة رضي الله عنها: (شَبَّهْتُمُونَا بِالْحُمُرِ وَالْكِلَابِ!) قال ابن مالكٍ: المشهور تعدية «شبَّه» إلى مُشبَّهٍ ومُشبَّهٍ به بدون [3] باءٍ لقول [4] امرىء القيس: [من الطَّويل]
~فشبَّهتُهُم في الآلِ [5] لـمَّـا تَكَمَّشوا [6] حدائقَ دَوْمٍ، أو [7] سفينًا مُقَيَّرا
وقد كان بعض المعجبين [8] بآرائهم يخطِّئ سيبويه وغيره من أئمَّة العربيَّة في قولهم: شبَّه كذا بكذا، ويزعم أنَّه لحنٌ، وليس زعمه صحيحًا، بل سقوط الباء وثبوتها جائزان [9]، وإن كان سقوطها أشهر في كلام القدماء، وثبوتها لازمٌ في عُرف العلماء، وفي طريق عُبَيْد الله عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «بئسما عدلتمونا بالكلب والحمار» [خ¦519] وأرادت بخطابها ذلك ابن أختها عروة، أو أبا هريرة رضي الله عنه، فعند مسلمٍ من آدابه [10] من رواية عروة بن الزُّبير قال [11]: قالت عائشة رضي الله عنها: «ما يقطع الصَّلاة؟ قال: قلت: المرأة والحمار...» الحديثَ، وعند ابن عبد البرِّ من رواية القاسم قال: «بلغ عائشة أنَّ أبا هريرة رضي الله عنهما يقول: إنَّ المرأة تقطع الصَّلاة»، فإن قلت: كيف أنكرت على من ذكر المرأة مع [12] الحمار والكلب فيما يقطع الصَّلاة، وهي قد روت الحديث عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كما رواه الإمام أحمد بلفظ: «لا يقطع صلاة المسلم شيءٌ إلَّا الحمار والكافر والكلب والمرأة»، فقالت عائشة: يا رسول الله، لقد قُرِنَّا بذوات سوءٍ؟! أُجيب بأنَّها لم تنكر ورود الحديث، ولم تكن [13] تكذِّب أبا هريرة، وإنَّما أنكرت كون الحكم باقيًا هكذا، فلعلَّها كانت ترى نسخه ولذا قالت رضي الله عنها: (وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ) وللأَصيليِّ: ((رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يُصَلِّي، وَإِنِّي) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((وأنا)) (عَلَى السَّرِيرِ _بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ_ مُضْطَجِعَةٌ) بالرَّفع خبرٌ لقولها: «وأنا» المبتدأ المُقدَّر، وعلى هذا التَّقدير تكون هذه الجملة حاليَّةً، وفي روايةٍ: بالنَّصب حالٌ من عائشة، والوجهان في «اليونينيَّة»، وصُحِّح على النَّصب، ورُقِمَ على الكلمة علامة أبي ذَرٍّ (فَتَبْدُو) أي: تظهر (لِي الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ) مستقبلةً رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَأُوذِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، فَأَنْسَلُّ) بالرَّفع عطفًا على «فأكره» أي: فأمضي بتأنٍّ وتدريجٍ (مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم وإذا كانت المرأة لا تقطع الصَّلاة مع أنَّ النُّفوس جُبِلَت على الاشتغال بها فغيرها من الكلب والحمار وغيرهما كذلك، بل أَوْلى. نعم رأى القطع بالثَّلاثة قومٌ لحديث أبي ذَرٍّ عند «مسلمٍ»: «يقطع الصَّلاة المرأة والحمار والكلب الأسود» وكذا حديث أبي داود وابن ماجه، وفيه تقييد المرأة بالحائض، وأباه مالكٌ والشَّافعيُّ والأكثرون، وقال الإمام أحمد: يقطعها الكلب الأسود لنصِّ الحديث وعدم المعارض، وفي قلبي من المرأة والحمار شيء لوجود المعارض، وهو صلاته عليه الصلاة والسلام إلى أزواجه، ومن رأى القطع بها علَّل بأنَّ الجميع في معنى الشَّيطان: الكلبُ بنصِّ
ج1ص473
حديث أبي ذَرٍّ المذكور، والمرأةُ من جهة أنَّها تقبل في صورة شيطانٍ وتدبر كذلك، وأنَّها من حبائله، والحمار لِما جاء من اختصاص الشَّيطان به في قصَّة نوح عليه الصلاة والسلام في السَّفينة، واحتجَّ الأكثرون بحديث: «لا يقطع الصَّلاة شيءٌ»، وحملوا القطع في حديث أبي ذَرٍّ وابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما على المُبالَغة في خوف الإفساد بالشُّغل بها، فإن قلت: تمسُّك الأكثرين بحديث: «لا يقطع الصَّلاة شيءٌ» لا يحسن لأنَّه مُطلَقٌ، وحديث الثَّلاثة مُقيَّدٌ، والمُقيَّد [14] يقضي على المُطلَق، أُجيب بأنَّه ورد [15] ما يقضي على هذا المُقيَّد وهو صلاته صلى الله عليه وسلم إلى أزواجه رضي الله عنهن وهنَّ في قبلته، ومال [16] الطَّحاويُّ وغيره إلى [17] أنَّ صلاته عليه الصلاة والسلام إلى أزواجه ناسخةٌ لحديث أبي ذَرٍّ وما وافقه، وعُورِض بأنَّ النَّسخ لا يُصار إليه إِلَّا إذا عُلِمَ التَّاريخ وتعذَّر الجمع، والتَّاريخ هنا لم يتحقَّق، والجمع لم يتعذَّر، وأُجيب بأنَّ ابن عمر رضي الله عنهما بعد ما روى أنَّ المرور يقطع قال: «لا يقطع صلاة المسلم شيءٌ» فلو لم يثبت عنده نسخ ذلك [18]؛ لم يقل ذلك وكذلك [19] ابن عبَّاسٍ أحد الرُّواة للقطع رُوِيَ عنه حمله على الكراهة، لكن قد [20] مال الشَّافعيُّ وغيره إلى تأويل «القطع» بأنَّ المُراد به: نقص الخشوع، لا الخروج من الصَّلاة، ويؤيِّد ذلك أنَّ الصَّحابيَّ راوي الحديث سأل عن الحكمة في التَّقييد بالأسود، فأُجيب: بأنَّه شيطانٌ، ومعلومٌ أنَّ الشَّيطان لو مرَّ بين يدَي المصلِّي لم تفسد صلاته.
وفي هذا الحديث: التَّحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة، ورواته ثمانيةٌ.
ج1ص474


[1] «زيادة»: سقط من (م).
[2] في (ل): «وتالييه».
[3] في (د) و(م): «دون».
[4] في (د): «كقول».
[5] في (د): «بالآل».
[6] في (د): «تسلَّموا»، وفي (م): «تلمَّسوا»، والمثبت موافقٌ لما في «الدِّيوان».
[7] في (م): «هومٍ و» والمثبت موافقٌ لما في «الدِّيوان».
[8] في (م): «المحبِّين».
[9] في (م): «ثبوت الباء».
[10] «من آدابه»: مثبتٌ من (م)، وفي (د): «به من رواية».
[11] «قال»: سقط من (د).
[12] في (م): «و».
[13] «تكن»: سقط من (ص).
[14] زيد في (م): «لا»، وهو خطأٌ.
[15] في (ص): «بأنَّ ورود».
[16] في (د): «وقال»، وفي (م): «فقال».
[17] «إلى»: سقط من (د) و(م).
[18] «ذلك»: سقط من (ص).
[19] في (م): «كذا».
[20] «قد»: سقط من (د).