إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا

391- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بفتح العين فيهما وتشديد المُوحَّدة في الثَّاني، الأهوازيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَهْدِيِّ) بفتح الميم وكسر الدَّال مع التَّعريف، ابن حسان البصريُّ اللُّؤلؤيُّ، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثنا ابن مهديٍّ)) (قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ ابْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، البصريُّ (عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ) بكسر السِّين الُمهمَلة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة وبعد الألف هاءٌ مُنوَّنةٌ، أو غير مصروفٍ للعلميَّة والعجمة، ورُدَّ بأنَّه غير علمٍ في العجم، ومعناه بالفارسيَّة: الأسود (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا) أي: من صلَّى صلاةً كصلاتنا المتضمِّنة لإقرارٍ بالشَّهادتين (وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا) المخصوصة بنا (وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا) وإنَّما أفرد ذكر استقبال القبلة تعظيمًا لشأنها، وإِلَّا فهو داخلٌ في الصَّلاة لكونه من شروطها، أو من [1] عطفه على الصَّلاة لأنَّ اليهود لمَّا تحوَّلت القبلة شنَّعوا بقولهم: ما ولَّاهم عن قبلتهم الَّتي كانوا عليها، وهم الَّذين يمتنعون من أكل ذبيحتنا، أي: صلَّى صلاتنا وترك المُنازَعة في أمر القبلة والامتناع عن أكل الذَّبيحة، فهو من باب عطف الخاصِّ على العامِّ [2]، فلمَّا ذكر الصَّلاة عطف ما كان الكلام فيه وما هو مهتمٌّ بشأنه عليها (فَذَلِكَ) مبتدأٌ، خبره: (الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ) بكسر الذَّال المُعجمَة، مرفوعٌ مبتدأٌ، خبرُه: «له»، والموصولُ صفةُ «المسلم»، والجملة صلته (وَذِمَّةُ رَسُولِهِ) ولأبي ذَرٍّ: ((وذمَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم)) أي: أمان الله ورسوله أو عهدهما (فَلَا تُخْفِرُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وإسكان المُعجمَة وكسر الفاء، أي: لا تخونوا (اللهَ) أي: ولا رسوله (فِي ذِمَّتِهِ) أي: ذمَّة الله أو ذمَّة المسلم، أي: لا تخونوا في تضييع مَن هذا سبيله، يُقال: خفرت الرَّجل، إذا حميته، وأخفرته إذا نقضت عهده، والهمزة فيه للسَّلب، أي: أزلت خفارته كأشكيته إذا أزلتُ شكواه، واكتفى بذكر «الله» وحده دون ذكر الرَّسول لاستلزامه عدم إخفار ذمَّة الرَّسول، وإنَّما ذكره أوَّلًا للتَّأكيد.
واستُنبِط من هذا الحديث: اشتراطُ استقبال عين الكعبة لصلاة القادر عليه، فلا تصحُّ الصَّلاة بدونه إجماعًا بخلاف العاجز عنه كمريضٍ لا يجد من يوجِّهه إلى القبلة، ومربوطٍ على خشبةٍ، فيصلِّي على حاله ويعيد، ويُعتبَر الاستقبال بالصَّدر لا بالوجه أيضًا لأنَّ الالتفات به لا يبطل الصَّلاة. نعم لا يُشترَط الاستقبال في شدَّة الخوف ونفل السَّفر والفرض استقبال عين الكعبة يقينًا لمن بمكَّة وظنًّا لمن هو غائبٌ عنها، فلا يكفي إصابة الجهة لحديث الصَّحيحين: أنَّه صلى الله عليه وسلم ركع ركعتين قُبُل الكعبة [3]، وقال: «هذه القبلة»، و«قُبُل»: بضمِّ القاف والباء، ويجوز إسكانها، ومعناه: مقابلها أو ما استقبلك منها، وعند عامَّة الحنفيَّة فرضُ الغائب عن مكَّة استقبالُ جهة الكعبة لا عينها.
ورواة هذا الحديث الخمسة بصريُّون [4]، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه
ج1ص410
النَّسائيُّ.
392- وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((وحدَّثنا)) بالواو (نُعَيْمٌ) هو ابن حمَّادٍ الخزاعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ) عبد الله، فهو موصولٌ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((وحدَّثنا نُعَيْمٌ)) قال ابن الُمبارَك: وفي رواية حمَّاد بن شاكرٍ عن المؤلِّف: قال نُعَيْمُ بن حمَّادٍ، فيكون المؤلِّف علَّقه [5] عنه [6]، وللأَصيليِّ وكريمة: ((وقال ابن المُبارَك)) فيكون المؤلِّف علَّقه عنه، ولابن عساكر: ((قال محمَّد بن إسماعيل: وقال ابن المبارك)) وقد وصله الدَّارقطنيُّ من طريق نُعَيْمٍ عن ابن الُمبَارَك (عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة وكسر الميم، أي: أمرني الله (أَنْ) أي: بأن (أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي: بقتل المشركين [7] (حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: مع محمَّدٍ رسول الله، واكتفى بالأولى لاستلزامها الثَّانية عند التَّحقيق، أو أنَّها شعارٌ للمجموع كما في: قرأت «الحمد» أي: كلَّ السُّورة (فَإِذَا قَالُوهَا) أي: كلمة الإخلاص، وحقَّقوا معناها بموافقة الفعل لها (وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا) أي: بالرُّكوع (وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا) الَّتي هدانا الله لها (وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا) أي: ذبحوا المذبوح مثل مذبوحنا، «فعيلٌ [8] » بمعنى المفعول، لكنَّه استُشكِل دخول التَّاء فيه لأنَّه إذا كان بمعنى المفعول يستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث، فلا تدخله التَّاء، وأُجيب: بأنَّه لمَّا زال عنه معنى الوصفيَّة وغلبت عليه الاسميَّة دخلت التَّاء، أو إنَّما يستوي الأمران فيه [9] عند ذكر الموصوف (فَقَدْ حَرُمَتْ) بفتح الحاء وضمِّ الرَّاء كما في الفرع، وجوَّز البرماويُّ _كغيره [10] _ ضمُّ الأوَّل وتشديد الثَّاني، لكن قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أرَ في شيءٍ من الرِّوايات تشديد الرَّاء (عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا) أي: إلَّا بحقِّ الدِّماء والأموال، وفي حديث ابن عمر: «فإذا فعلوا ذلك عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إِلَّا بحقِّ الإسلام» [خ¦25] (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ) وهو على سبيل التشبيه، أي: هو كالواجب على الله في تحقُّق [11] الوقوع، وإلَّا فلا يجب على الله تعالى شيءٌ.
وقد استنبط من الحديث ابن المُنَيِّر من قوله: «فإذا قالوها وصلُّوا صلاتنا حرمت دماؤهم»: قتل تارك الصَّلاة لأنَّ مفهوم الشَّرط: إذا قالوها وامتنعوا من الصَّلاة لم تحرم دماؤهم، منكرين للصَّلاة كانوا أو مقرِّين لأنَّه رتَّب [12] استصحاب سقوط العصمة على ترك الصَّلاة، لا ترك الإقرار بها، لا يُقال [13]: الذَّبيحة لا يُقتَل تاركها لأنَّا نقول: إذا أخرج الإجماع بعضًا لم يخرج الكلَّ. انتهى من «المصابيح». فإن قلت: لِمَ خصَّ الثَّلاثة بالذِّكر من بين الأركان وواجبات الدِّين، أُجيب بأنَّها [14] أظهر وأعظم وأسرع علمًا لأنَّ في اليوم تُعرَف صلاة الشَّخص وطعامه غالبًا بخلاف الصَّوم والحجِّ كما لا يخفى.
وهذا الحديث رواه أبو داود في «الجهاد»، والتِّرمذيُّ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «المُحاربَة».
393- (وقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم المصريُّ: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى) وللأربعة: ((يحيى بن أيُّوب الغافقيُّ)) قال (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل، ولابن عساكر: ((وقال محمَّدٌ)) أي: المؤلِّف: ((قال ابن أبي مريم: حدَّثني)) بالإفراد ((حُمَيْدٌ)) [15] (قال: حَدَّثَنَا أَنَسٌ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وقد وصله محمَّد بن نصرٍ وابن منده في «الإيمان» من طريق ابن أبي مريم، وقد ذكره المؤلِّف استشهادًا وتقويةً، وإِلَّا فيحيى بن أيُّوب مطعونٌ فيه، قال أحمد: سيِّئ الحفظ (وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أي: المدينيُّ: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْجُهيميُّ البصريُّ [16] (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل (قَالَ: سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ) بكسر السِّين المُهمَلة آخره هاءٌ (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت: ((فقال)) وسقطت هذه الكلمة بالكليَّة عند الأَصيليِّ (يَا أَبَا حَمْزَةَ) بالحاء والزَّاي، كنية أنسٍ (ومَا يُحَرِّمُ) بواو العطف على معطوفٍ محذوفٍ، كأنَّه سأل عن شيْءٍ مثل هذا وغير هذا [17]، وقول ابن حجرٍ: أو الواو استئنافيَّةٌ. تعقَّبه العينيُّ بأنَّ الاستئنافَ كلامٌ مُبتدَأٌ، وحينئذٍ لا يبقى مقولٌ لـ «قال» فيحتاج إلى تقديرٍ، وفي رواية كريمة والأَصيليِّ: ((ما يحرِّم)) (دَمَ الْعَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ) أنسٌ: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا [18]، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ) من النَّفع (وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ) من المضرَّة.
ووجه مطابقة جواب أنسٍ للسُّؤال عن سبب التَّحريم أنَّه يتضمَّنه لأنَّه لمَّا ذكر الشَّهادة وما عُطِف عليها علِم أنَّ الَّذي يفعل هذا هو المسلم، والمسلم يحرم دمه وماله إِلَّا بحقِّه، فهو مطابقٌ
ج1ص411
له وزيادة.
ج1ص412


[1] «من»: ليس في (د) و(س).
[2] في (م): «العامِّ على الخاصِّ»، وليس بصحيحٍ.
[3] في هامش (ص): (قوله: «ركع ركعتين قبل الكعبة»، وسيأتي قريبًا في باب قول الله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] من حديث ابن عبَّاس: «ركع ركعتين في قُبُل الكعبة» بزيادة «في»). انتهى.
[4] «ورواة هذا الحديث بصريُّون»: سقط من (م).
[5] في هامش(ص): (قوله: «فيكون المؤلِّف علَّقه...» إلى آخره، الصَّواب حذفه من هذا، والاقتصار على قوله: «وللأَصيليِّ...» إلى آخره؛ لأنَّه إذا كانت رواية البخاريِّ حدَّثنا نُعَيْمٌ: قال ابن المبارك: كانت الرِّواية موصولةً لا مُعلَّقةً؛ إذ التَّعليقُ حذفُ أوَّل السَّند، والسَّند هنا مذكورٌ بتمامه، بخلاف رواية الأصيليِّ وكريمة؛ فإنَّ نُعَيْمًا لم يُذكَر في روايتهما، فيكون تعليقًا). انتهى ع ش.
[6] «عنه»: ليس في (د).
[7] في (ص): «قوله: «بقتل المشركين» المذكور في قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التَّوبة: 5]، ولو عبَّر به كان أولى. انتهى ع ش».
[8] في (م): «تفعيل»، وليس بصحيحٍ.
[9] «فيه»: ليس في (د).
[10] في (د): «وغيره».
[11] في (د): «تحقيق».
[12] في (م): «ذنب».
[13] «لا يقال»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[14] في (د): «لأنَّها».
[15] «حُمَيْدٌ»: ليس في (د).
[16] «الجهميُّ البصريُّ»: مثبتٌ من (م).
[17] «وغير هذا»: ليس في (م).
[18] «وصلَّى صلاتنا»: ليس في (م).