إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة

450- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام، الجعفيُّ (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولابن عساكر: ((حدَّثنا)) (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله
ج1ص442
قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المُلقَّب بدرَّة الغوَّاص (أَنَّ بُكَيْرًا) بضمِّ المُوحَّدة بالتَّصغير، وهو ابن عبد الله بن الأشجِّ، مدنيٌّ سكن البصرة (حَدَّثَهُ) وللأَصيليِّ: ((أخبره)) (أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم (بْنِ قَتَادَةَ) الأنصاريَّ، المُتوفَّى بالمدينة سنة عشرين ومئةٍ (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ) بتصغير العبد، ابن الأسود (الْخَوْلَانِيَّ) بفتح الخاء [1] المعجمة، ربيب أمِّ المؤمنين ميمونة رضي الله عنها (أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) حال كونه (يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ) أي: في [2] إنكارهم عليه (حِينَ بَنَى) أي: حين [3] أراد أن يبني [4] (مَسْجِدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) [5] بأن يبنيه [6] بالحجارة المنقوشة والقَصَّة، ويجعل عُمُدَه من الحجارة، ويسقفه [7] بالسَّاج، وكان ذلك سنة ثلاثين على المشهور، ولم يبنِ المسجد إنشاءً، وإنَّما وسَّعه وشيَّده: (إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ) أي: الكلام في الإنكار على ما فعلته (وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ [8]: ((رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) حال كونه (يَقُولُ: مَنْ بَنَى) حقيقةً أو مجازًا (مَسْجِدًا) كبيرًا كان أو صغيرًا، ولابن خزيمة: ((كمَفْحَص [9] قطاةٍ أو أصغر)) ومَفْحَصها [10]: بفتح الميم والحاء المهملة كمَقْعَدٍ، هو مجثمها [11] لتضع فيه بيضها وترقد عليه، كأنَّها تفحص عنه التُّراب، أي: تكشفه، والفحص: البحث والكشف، ولا ريب أنَّه لا يكفي مقداره للصَّلاة فيه، فهو محمولٌ على المبالغة لأنَّ الشاَّرع يضرب المثل في الشَّيء بما لا يكاد يقع كقوله: «اسمعوا وأطيعوا ولو عبدًا حبشيًّا» وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الأئمَّة من قريشٍ»، أو هو على ظاهره بأن يزيد في المسجد قدرًا يحتاج إليه، تكون تلك الزِّيادة هذا [12] القدر، أو يشترك جماعةٌ في بناء مسجدٍ فتقع حصَّة كلِّ واحدٍ منهم ذلك القدر، أو المراد بالمسجد موضع السُّجود وهو ما يسع الجبهة، فأطلق عليه البناء مجازًا، لكنَّ الحمل على الحقيقة أَوْلى، وخصَّ القطاة بهذا لأنَّها لا تبيض في [13] شجرةٍ ولا على رأس جبلٍ، بل [14] إنَّما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطَّير فلذلك شبَّه به المسجد، ولأنَّها تُوصَف بالصِّدق، فكأنَّه أشار بذلك إلى الإخلاص في بنائه [15]، كما قال الشَّيخ أبو الحسن الشَّاذليُّ: خالص العبوديَّة الاندماج في طيِّ الأحكام من غير شُهرةٍ ولا إرادةٍ، وهذا شأن هذا الطَّائر، وقِيلَ: لأنَّ أفحوصها [16] يشبه [17] محراب المسجد في استدارته وتكوينه.
(قَالَ بُكَيْرٌ) المذكور: (حَسِبْتُ أَنَّهُ) أي: شيخه عاصمًا (قَالَ) بالإسناد السَّابق: (يَبْتَغِي بِهِ) أي: ببناء المسجد (وَجْهَ اللهِ) عزَّ وجلَّ، أي: ذاته تعالى طلبًا لمرضاته تعالى [18]، لا رياءً ولا سُمْعةً، ومن كتب اسمه على المسجد الَّذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص، قاله ابن الجوزيِّ، وجملة «يبتغي» في موضع الحال من ضمير بنى إن كان من لفظ النَّبيِّ، وإنَّما لم يجزم بُكَيْرٌ بهذه الزِّيادة لأنَّه نسيها، فذكرها بالمعنى متردِّدًا في اللَّفظ الَّذي ظنَّه، والجملة اعتراضٌ بين الشَّرط _وهو قوله: «من بنى»_ وجوابه وهو قوله: (بَنَى اللهُ) عزَّ وجلَّ (لَهُ) _مجازًا_ بناءً (مِثْلَهُ) في مُسمَّى البيت، حال كونه (فِي الْجَنَّةِ) [19] لكنَّه في السَّعة أفضل، مما لا عينٌ رأت ولا أُذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ، وروى الإمام أحمد بإسنادٍ ليِّنٍ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا أوسع منه»، أو المراد بالجزاء أبنيةٌ متعدِّدةٌ، أي: بنى الله له عشرة أبنيةٍ مثله، إذ الحسنة بعشر أمثالها، والأصل: أنَّ جزاء الحسنة الواحدة واحدٌ [20] بحكم العدل [21]، والزِّيادة عليه بحكم الفضل.
ورواة هذا الحديث السَّبعة ثلاثةٌ مصريُّون؛ بالميم، وثلاثةٌ مدنيُّون، والرَّابع بينهما مدنيٌّ سكن مصر؛ وهو بُكَيْرٌ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار به والسَّماع، وثلاثةٌ من التَّابعين، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ.
ج1ص443


[1] «الخاء»: ليس في (د).
[2] «في»: مثبتٌ من (ص).
[3] «حين»: مثبتٌ من (ص).
[4] زيد في (م): «ويغيِّره بغير».
[5] في (د): «رسول الله».
[6] «بأن يبنيه»: مثبتٌ من (د) و(م).
[7] في (ص): «سقفه».
[8] «والأصيليِّ»: ليس في (د).
[9] في (د): «كمحفص»، وهو تحريفٌ.
[10] في (د): «ومحفصها»، وهو تحريفٌ.
[11] في (د): «مبحثها»، وكذا في الموضع اللَّاحق، وفي هامش (ص): (قوله: «مجثمها»: جثم الطَّائر والأرنب يجثم من باب: «ضرب» جثومًا، وهو كالمبرك للبعير، وربَّما يطلق على الظِّباء والإبل، والفاعل جاثمٌ، وجَثَّامٌ مبالغةٌ). انتهى «مصباح».
[12] في (ص): «ذلك».
[13] في غير (ص) و(م): «على».
[14] «بل»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[15] في (ص): «بنيانه».
[16] في (د): «مفحصها»، وفي هامش (ص): (قوله: «أفحوصها»، قال في «القاموس»: فَحَصَ عنه؛ كَمَنَعَ: بحث، والقطا: التُّراب اتَّخذ فيه أفحوصًا؛ وهو مجثمه). انتهى.
[17] في (ص) و(م): «تشبه».
[18] في (ص): «طالب الرِّضا».
[19] في هامش (ص): (قوله: «في الجنَّة»: قال العينيُّ: قال بعضهم: هو مُتعلَّق «بنى» أو حالٌ من قوله: «مثله»، قلت: ليس كذلك، وإنَّما هو متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ «مثله»، والتَّقدير: بنى الله له مثلَه كأيِّنا في الجنَّة، وكيف يكون حالًا مثله، وشرط الحال: أن تكون من معرفةٍ، كما عُرِف في موضعه، ولفظ «مثل» لا يتعرَّف وإن أُضِيف، ومراده بالبعض في قوله: «بعضهم»: العلَّامة ابن حجرٍ). انتهى عجمي.
[20] في (م): «واحدةٌ».
[21] في هامش (ص): (قوله: «بحكم العدل» ليس المُراد هنا بالعدل ضدَّ الجور، وإنَّما المُراد به المُساواة، قال الرَّاغب: العدل: هو المُساواة في المُكافَأة إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فَشَرٌ). انتهى عجمي.