إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ضع من دينك هذا

457- وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولابن عساكر: ((حدَّثني)) بالإفراد [1] (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن عبد الله بن جعفرٍ المُسنَديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن فارسٍ البصريُّ العبديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ السَّلميِّ المدنيِّ (عَنْ) أبيه (كَعْبٍ) الشَّاعر، أحد الثَّلاثة الَّذين خُلِّفوا عن غزوة «تبوك» (أَنَّهُ تَقَاضَى) بوزن «تفاعل» أي: أنَّ كعبًا طالب [2] (ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ) بمُهمَلاتٍ، مفتوح الأوَّل ساكن الثَّاني، صحابيٌّ على الأصحِّ، واسمه عبد الله بن سلامة، كما ذكره المؤلِّف في إحدى رواياته، قال الجوهريُّ: ولم يأت من الأسماء «فعلعٌ» بتكرير العين غير «حدردٍ» [3] (دَيْنًا) نُصِبَ بنزع الخافض، أي: بدينٍ لأنَّ «تقاضى» متعدٍّ لواحدٍ؛ وهو «ابنٌ» (كَانَ لَهُ عَلَيْهِ) أي: كان لكعبٍ على ابن أبي حدردٍ، و [4] جملة «كان [5] له» في موضع نصبٍ صفةٌ لـ «دَيْنًا»، وللطَّبرانيِّ: إنَّ الدَّين كان أُوقيتين (فِي الْمَسْجِدِ) الشَّريف النَّبويِّ، متعلِّقٌ بـ «تقاضى» (فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) [6] من باب: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] لعدم اللَّبس، أو الجمع بالنَّظر لتنوُّع الصَّوت (حَتَّى سَمِعَهُمَا) ولغير الأَصيليِّ [7] وأبي ذَرٍّ: ((سمعها)) (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وشرَّف وكرَّم (وَهْوَ فِي بَيْتِهِ) جملةٌ حاليَّةٌ في موضع نصبٍ (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا) عليه الصلاة والسلام، وللأعرج: «فمرَّ بهما» أي: أنَّه لمَّا سمع صوتهما خرج لأجلهما ومرَّ بهما، وبهذا التَّوفيق ينتفي التَّعارض (حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ) بكسر السِّين المُهمَلة وفتحها وإسكان الجيم، أي: ستر (حُجْرَتِهِ) أو «السِّجْف»: الباب، أو أحد طرفي السِّتر المُفرَج (فَنَادَى) عليه الصلاة والسلام: (يَا كَعْبُ، قَالَ) كعبٌ: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ) تثنية: اللَّبِّ وهو الإقامة، أي: لَبًّا بعد لَبٍّ، ومعناه: أنا مقيمٌ على طاعتك إقامةً بعد إقامةٍ (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام له: (ضَعْ) عنه (مِنْ دَيْنِكَ هَذَا، وَأَوْمَأَ) بهمزةٍ في أوَّله وفي [8] آخره (إِلَيْهِ، أَيِ: الشَّطْرَ) أي: ضع عنه النِّصف كما فسَّره به في رواية الأعرج [خ¦2706] عند المؤلِّف، وهو تفسيرٌ بالمقصود الَّذي أومأ إليه صلى الله عليه وسلم، وفيه جواز الاعتماد على الإشارة، وأنَّها تقوم مقام النُّطق إذا فُهِمت لدلالتها [9] عليه (قَالَ) كعبٌ: والله (لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ) ما أمرت به، وخرج ذلك منه مخرج المُبالَغة في امتثال الأمر، ولذا [10] أكَّد باللَّام مع ما فيه من معنى القسم، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر والمُستملي: ((قد فعلت)). (قَالَ) عليه الصلاة والسلام لابن أبي حَدْرَدٍ: (قُمْ فَاقْضِهِ) حقَّه على الفور، والأمر
ج1ص447
على جهة الوجوب، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه لا تجتمع الوضيعة والتَّأجيل، فإن قلت: ما مُطابقَة الحديث للتَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ التَّقاضيَ ظاهرٌ، وأمَّا المُلازَمة فمُستنبَطةٌ من مُلازَمة ابن أبي حَدْرَدٍ خصمه في وقت التَّقاضي، أو أنَّ المؤلِّف أشار بالمُلازَمة ههنا إلى ما رواه في «الصُّلح» [خ¦2706] بلفظ: إنَّه كان له على عبد الله بن أبي حَدْرَدٍ [11] الأسلميِّ [12] مالٌ فلزمه. انتهى.
وبقيَّة مباحث الحديث تأتي _إن شاء الله تعالى_ في محالِّه، ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بخاريٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية الابن عن الأب، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الصُّلح» [خ¦2710] و«المُلازَمة» [خ¦2424]، ومسلمٌ في «البيوع»، وأبو داود والنَّسائيُّ في «القضاء»، وابن ماجه في «الأحكام».
ج1ص448


[1] «بالإفراد»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[2] في (ص): «طلب».
[3] قوله: «قال الجوهريُّ: ولم يأت من الأسماء فعلعٌ بتكرير العين غير حدردٍ» سقط من (ص).
[4] «و»: سقط من (ص) و(م).
[5] «كان»: سقط من (ص) و(م).
[6] في هامش (ص): (قوله: «حتَّى ارتفعت أصواتهما» كذا في بعض نسخ «متن القسطلانيِّ»، والَّذي في نسخ «البخاريِّ» بالفاء، لا بـ «حتَّى»). انتهى عجمي.
[7] في (د): «وللأَصيليِّ»، وليس بصحيحٍ.
[8] «في»: ليس في (ص).
[9] في غير (ص) و(م): «دلالتها».
[10] في (ص): «لذلك».
[11] في (س): «حدود»، وهو تحريفٌ.
[12] «الأسلميِّ»: مثبتٌ من (ب) و(س).