إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: بينا الناس بقباء في صلاة

403- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) وسقط قوله «ابن أنس» عند الأَصيليِّ وابن عساكر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ) بالمدِّ والتَّذكير والصَّرف على الأشهر، أي: بينا النَّاس بمسجد قباءٍ وهم (فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ) ولا منافاة بين قوله هنا: «الصُّبح» وقوله في حديث البراء [خ¦40]: «العصر» إذ المجيء [1] إلى بني حارثة داخل المدينة، وإلى بني عمرو بن عوفٍ بقُبَاءٍ وقت الصُّبح، وقوله: «بينا» أُضيف إلى المبتدأ والخبر، وجوابه قوله: (إِذْ جَاءَهُمْ) أي: أهل قُبَاءٍ (آتٍ) بالمدِّ، هو عبَّاد بن بِشْرٍ؛ بتشديد المُوحَّدة الأولى وكسر الثَّانية (فقال: إنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قد أُنزِل عليه اللَّيلة قرآنٌ) بالتَّنكير لأنَّ القصد البعض، وفي رواية الأَصيليِّ: ((القرآن)) بـ «ال» الَّتي للعهد، أي: قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144] الآيات، وأطلق اللَّيلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازًا (وَقَدْ أُمِرَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (أَنْ) أي: بأن (يَسْتَقْبِلَ) أي: باستقبال (الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا) [2] بفتح المُوحَّدة عند جمهور الرُّواة على أنَّه فعلٌ ماضٍ، ويُكسَر عند البعض على أنَّه أمرٌ (وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأمِ) تفسيرٌ من الرَّاوي للتَّحوُّل المذكور، والضَّمير في: «فاستقبلوها» و«وجوههم» لأهل قباءٍ، أو للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ومَن معه، وفي رواية الأَصيليِّ: ((فاستقبِلوها)) بكسر المُوحَّدة، بصيغة الأمر لأهل قباءٍ، ويؤيِّده ما عند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4488]: «وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها» (فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ) بأن تحوَّل الإمام من مكانه في مُقدَّم المسجد إلى مُؤخَّره لأنَّ من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار _كما هو في حديثه_ لم يكن خلفه مكانٌ يسع الصَّرف [3]، ثمَّ تحوَّلت الرِّجال حتَّى صاروا خلفه، وتحوَّل النِّساء حتَّى صِرْنَ خلف الرِّجال، واستُشكِل هذا لما فيه من العمل الكثير في الصَّلاة، وأُجيب باحتمال وقوعه قبل التَّحريم، أو لم تتوالَ الخُطَا عند التَّحويل، بل وقعت مُفرَّقةً. واستُنبِط من الحديث: أنَّ الَّذي يُؤمَر به عليه الصلاة والسلام يلزم أمَّته، وأنَّ أفعاله يُؤتَسى بها كأقواله، حتَّى يقوم دليلٌ على الخصوصيَّة، وأنَّ حكم النَّاسخ لا يثبت في حقِّ المُكلَّف حتَّى يُبلَّغه، وقبول [4] خبر الواحد، ووجه استدلال المؤلِّف به: أنَّهم صلَّوا إلى القبلة المنسوخة الَّتي هي غير القبلة الواجب استقبالها جاهلين بوجوبها، ولم يُؤمَروا بالإعادة.
ورواة هذا الحديث أئمَّةٌ أجلَّاء مشهورون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه في «التَّفسير» [خ¦4488]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ [5] في «الصَّلاة».
ج1ص418


[1] «إذ المجيء»: ليس في (ص) و(م).
[2] في هامش (ص): (أي: تحوَّلوا إلى جهة القبلة، وفاعل «استقبلوها» المخاطبون بذلك أهل قبلةٍ). انتهى «فتح الباري» كما سيأتي في «الشَّارح».
[3] قوله: «لأنَّ من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار _كما هو في حديثه_ لم يكن خلفه مكانٌ يسع الصَّرف» مثبتٌ من (م).
[4] «وقبول»: ليس في (م).
[5] «والنَّسائيُّ»: ليس في (م).