إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كان رسول الله صلى نحو بيت المقدس ستة عشر

399- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) بتخفيف الجيم، الغُدَانيُّ؛ بضمِّ الغين المُعجمَة (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق [1]، عمرو بن عبد الله الكوفيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو ابن عبد الله السَّبِيعيِّ الكوفيِّ [2]،
ج1ص414
جدِّ إسرائيل (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) ثبت: ((ابن عازبٍ)) عند أبي ذرٍّ عن المُستملي [3] (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: ((النِّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم صَلَّى نَحْوَ) أي: جهة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) بالمدينة (سِتَّةَ عَشَرَ شهرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) من الهجرة، وكان ذلك بأمر الله تعالى له، قاله الطَّبريُّ [4]، ويُجمَع بينه وبين حديث ابن عبَّاسٍ عند أحمد من وجهٍ آخر: أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي بمكَّة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه بحمل [5] الأمر في المدينة على الاستمرار [6] باستقبال بيت المقدس، وفي حديث الطَّبريِّ من طريق [7] ابن جريجٍ قال: أوَّل ما صلَّى إلى الكعبة، ثمَّ صُرِف إلى بيت المقدس وهو بمكَّة، فصلَّى ثلاث حججٍ، ثم هاجر فصلَّى إليه بعد قدومه المدينة ستَّة عشر شهرًا، ثمَّ وجَّهه الله تعالى إلى الكعبة (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ) بضمِّ أوَّله وفتح الجيم مبنيًّا للمفعول، أي: يُؤمَر بالتَّوجُّه (إِلَى الْكَعْبَةِ) وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند [8] الطَّبريِّ: وكان يدعو و [9] ينظر إلى السَّماء (فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144] ) تردُّد وجهك في جهة السَّماء تطلُّعًا للوحي، وكان عليه الصلاة والسلام يقع في روعه، ويتوقَّع من ربِّه أن يحوِّله إلى الكعبة لأنَّها قبلة أبيه إبراهيم، وذلك يدلُّ على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل، قاله البيضاويُّ. (فَتَوَجَّهَ) صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية (نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ _وَهُمُ الْيَهُودُ_: مَا وَلَّاهُمْ) أي: ما صرفهم (عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا؟) يعني: بيت المقدس، والقبلة في الأصل: الحال الَّتي عليها الإنسان من الاستقبال، فصارت عُرفًا للمكان المُتوجَّه إليه للصَّلاة ({قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}) لا يختصُّ به مكانٌ دون مكانٍ بخاصَّةٍ [10] ذاتيَّةٍ تمنع إقامة غيره مقامه، وإنَّما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان ({يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] ) وهو ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة من التَّوجُّه إلى بيت المقدس تارةً وإلى الكعبة تارةً [11] أخرى (فَصَلَّى) الظُّهر [12] (مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم رَجُلٌ) اسمه عبَّاد بن بشرٍ كما قاله ابن بَشكوال، أو هو عبَّاد بن نَهِيكٍ؛ بفتح النُّون وكسر الهاء (ثُمَّ خَرَجَ) أي: الرَّجل (بَعْدَ مَا صَلَّى) أي: بعد صلاته، أو بعد الَّذي صلَّى، وللمُستملي والحَمُّويي: ((فصلَّى مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم رجالٌ)) بالجمع ((ثم خرج)) أي: بعض أولئك الرجال؛ أي ((بعد ما صلَّى)) (فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ) أي: جهة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((في صلاة العصر، يصلُّون نحو بيت المقدس)) (فَقَالَ) الرَّجل: (هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، وَأَنَّهُ) عليه الصلاة والسلام (تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ) وللأربعة: ((وأنَّه نحو الكعبة)) (فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ) وعنى بقوله: «هو يشهد» نفسَه على طريق التَّجريد بأن جرَّد من نفسه شخصًا، أو على طريق الالتفات، أو نقل الرَّاوي كلامه بالمعنى، وعند ابن سعدٍ في «الطَّبقات»: أنَّه عليه الصلاة والسلام صلَّى ركعتين من الظُّهر في مسجده بالمسلمين، ثمَّ أُمِر أن يتوجَّه إلى المسجد الحرام [13]، فاستدار إليه ودار معه المسلمون، ويُقال: إنَّه عليه الصلاة والسلام زار أُمَّ بِشْرِ بن البراء ابن معرورٍ في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحانت [14] الظُّهر، فصلَّى صلى الله عليه وسلم بأصحابه ركعتين، ثمَّ أُمِر فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب، فسُمِّي مسجد القبلتين، قال ابن سعدٍ: قال الواقديُّ: هذا أَثْبَتُ عندنا، ولا تَنافيَ بين قوله هنا: «صلاة العصر» وبين ثبوت الرِّواية عن ابن عمر في الصُّبح بقباء المرويِّ عند الشَّيخين [خ¦403] والنَّسائيِّ؛ لأنَّ العصر ليوم التَّوجُّه [15] بالمدينة، والصُّبح لأهل قباء في اليوم الثَّاني لأنَّهم خارجون عن المدينة من سوادها. واستُنبِط من حديث الباب: قبول خبر الواحد، وجواز النَّسخ، وأنَّه لا يثبت في حقِّ المُكلَّف حتَّى يُبلَّغه. ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه [16] المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4486] أيضًا، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
ج1ص415


[1] «ابن يونس بن أبي إسحاق»: سقط من (د).
[2] «الكوفيِّ»: ليس في (د).
[3] قوله: «ثبت: ابن عازبٍ عند أبي ذرٍّ عن المُستملي» سقط من (م).
[4] في هامش (ص): (قوله: «الطَّبريُّ» كذا في النُّسخ، ولعلَّه: هكذا أخرجه الطَّبريُّ أو رواه). انتهى شيخنا عجمي.
[5] في (ص): «فحمل»، وفي (م): «يحمل».
[6] في (م): «الأمر».
[7] في (د): «حديث».
[8] في (س): «عن».
[9] في (م): «أو».
[10] في (م): «بخاصيَّة».
[11] «تارةً»: ليس في (د) و(س).
[12] في (ص) و(م): «وتطهَّر»، وفي هامش (ص): (قوله: «وتطهَّر»، كذا في النُّسخ، ولعلَّه تحريفٌ، أصله: الظُّهر؛ كما في «الفتح»، وعبارته: انصرف رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وهو يصلِّي الظُّهر...، بدليل بقيَّة سياق الحديث، وهو قوله: «في صلاة العصر»). انتهى عجمي.
[13] «الحرام»: ليس في (ص) و(م).
[14] في (م): «وكانت».
[15] في هامش (ص): (قوله: «لأنَّ العصر ليوم التَّوجُّه...» إلى آخره، قال الشَّاميُّ: قال الحافظ ابن حجرٍ: التَّحقيق أنَّ أوَّل صلاةٍ صلَّاها في بني سلِمة _بكسر اللَّام_ الظُّهر، وأوَّل صلاةٍ صلَّاها بالمسجدِ النَّبويِّ العصر، وأمَّا الصُّبح فهو لأهل قباء؛ أي: في اليوم الثَّاني. انتهى).
[16] في (د): «ورواه».