إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ما السرى يا جابر؟

361- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظيُّ [1]؛ بضمِّ الواو وتخفيف الحاء المهملة وبالظَّاء المعجمة، الحمصيُّ الحافظ الفقيه، المتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مهملةٌ في الأوَّل، وضمِّ السِّين وفتح اللَّام في الثَّاني (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ) بالثَّاء المثلَّثة، الأنصاريِّ قاضي المدينة (قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) في غزوة بُوَاطٍ [2] كما في «مسلمٍ» [3] (فَجِئْتُ لَيْلَةً) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (لِبَعْضِ أَمْرِي) [4] أي: لأجلِ بعضِ حوائجي (فَوَجَدْتُهُ) صلى الله عليه وسلم (يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ) منتهيًا (إِلَى جَانِبِهِ) أو منضمًّا إلى جانبه (فَلَمَّا انْصَرَفَ) عليه السلام من الصَّلاة (قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟) بضمِّ السِّين والقصر، أي: ما سببُ سيرِكَ في اللَّيل؟ وإنَّما سأله لعلمه بأنَّ الحامل له على المجيء في اللَّيل أمرٌ أكيدٌ (فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟!) هو استفهامٌ إنكاريٌّ، وقد وقع في «مسلمٍ» التَّصريحُ بسببِ الإنكارِ؛ وهو: أنَّ الثَّوبَ كان ضيِّقًا، وأنَّه خالفَ بين طرفيه وتواقصَ، أي: انحنى عليه كأنَّه عند المخالفة بين طرفي الثَّوبِ لم يصر ساترًا، فانحنى ليستتر، فأعلمه عليه السلام بأنَّ محلَّ ذلك ما إذا كان الثَّوبُ واسعًا، فأمَّا إذا كان ضيِّقًا فإنَّه يجزئه أن يتَّزرَ به لأنَّ القصدَ الأصليَّ ستر العورة، وهو يحصل بالاتِّزار، ولا يحتاج إلى التَّواقصِ المغايرِ للاعتدالِ المأمورِ به، أو الَّذي أنكره عليه السلام هو اشتمال الصَّمَّاء وهو أن يجلِّل نفسه بثوبٍ ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إِلَّا من أسفله خوفًا من أن تبدو عورته، قال جابر: (قُلْتُ: كَانَ) الَّذي اشتملت به (ثوبًا) واحدًا، ولكريمة وأبي ذَرٍّ [5]: ((ثَوْبٌ)) [6] بالرَّفع، قال ابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ والزَّركشيُّ على أنَّ «كان» تامَّةٌ، فلا تحتاج إلى خبرٍ، واعترضه البدرُ الدَّمامينيُّ فقال: الاقتصار على ذلك لا يظهر، وأيُّ معنًى لإخباره بوجود ثوبٍ في الجملة؟! فينبغي أن يقدِّر ما يناسب المقام، زاد في فرع «اليونينيَّة»: ((يَعْنِي: ضَاقَ)) وهو ساقطٌ للأربعة [7] (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَإِنْ كَانَ) الثَّوبُ (وَاسِعًا فَالْتَحِفْ) أي: ارتدِ (بِهِ) أي: بأن يأتزرَ بأحدِ طرفيه ويرتديَ بالطَّرفِ الآخرِ منه (وَإِنْ كَانَ) الثَّوبُ (ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ) بإدغام الهمزة المقلوبة تاءً في التَّاء، وهو يردُّ على التَّصريفيِّين حيث جعلوه خطأً [8].
ج1ص391


[1] في هامش (ص): (قوله: «الوُحاظيُّ» زاد في «الأنساب»: نسبةً إلى وحاظة؛ بطنٌ من جشم ابن عبد شمسٍ، وقريةٌ باليمن. انتهى «لب»، وفي «اللُّباب»: أنَّ المذكور من القبيلة لا من القرية). انتهى.
[2] في هامش (ص): (قوله: «بُوَاط» قال النَّوويُّ: بضمِّ الباء؛ أي: الموحَّدة وفتحها والواو مخفَّفة، قال القاضي: قال أهل اللغُّة: هو بالضَّمِّ، وهو قول أكثر المحدِّثين، قال البكريُّ: «بُواط» بضمِّ أوَّله وبالطَّاء المهملة؛ جبلٌ من ناحية رضوى بالقرب من جبلي جهينة، إليه انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته الثَّانية، ورجع ولم يلقَ كيدًا، وذلك في ربيع الأوَّل سنة اثنتين، وغزوته الأولى هي العُشَيْرَة). انتهى من «ترتيب التَّقريب».
[3] «كما في مسلم»: ليس في (د).
[4] في هامش (ص): (قوله: «لبعض أمري» أي: حاجتي، وفي رواية مسلمٍ: أنَّه صلى الله عليه وسلم كان أرسله هو وجبَّار بن صخرٍ لتهيئة الماء في المنزل). انتهى فتح.
[5] «وأبي ذرٍّ»: سقط (ص).
[6] «ثوبٌ»: ليس في (د).
[7] «وهو ساقطٌ للأربعة»: مثبتٌ من (م).
[8] في هامش (ص): (قوله: «حيث جعلوه خطأً» قالوا: إنَّ الهمزة لا تُدغَم في التَّاء، قال الكرمانيُّ في حديث عائشة: هي من فصحاء العرب، وهي حجَّةٌ، فالمخطئ مخطئٌ. انتهى. وفي «شرح التَّوضيح» حكى عن البغدادييِّن أنَّهم أجازوا الإبدال من ذي الهمزة، وحكَوا من ذلك ألفاظًا منها: اتَّزر واتَّمن، وفي الحديث: «وإن كان قصيرًا فليتَّزر به»، هكذا في جميع روايات «الموطَّأ»). انتهى عجمي.