إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب بنيان المسجد

(62) (بابُ بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ) النَّبويِّ.
(وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ رضي الله عنه ممَّا وصله المؤلِّف في «الاعتكاف» [خ¦2027]: (كَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ) النَّبويِّ (مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) أي [1]: الَّذي يُجرَد عنه الخُوص، فإن لم يُجرَد فَسَعَفٌ.
(وَأَمَرَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ) النَّبويِّ (وَقَالَ) للصَّانع: (أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ) بفتح الهمزة وكسر الكاف وفتح النُّون المُشدَّدة على صيغة [2] الأمر من الإكنان، أي: اصنع لهم كِنًّا بالكسر؛ وهو ما يسترهم من [3] الشَّمس، وهي رواية الأَصيليِّ لكن بزيادة الواو [4]، وهي الأظهر، وفي روايةٍ: ((وأَكِنِّ)) كذلك لكن مع كسر النُّون، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((أُكِنُّ)) بضمِّ الهمزة والنُّون المُشدَّدة بلفظ المتكلِّم من الفعل المضارع المرفوع، وضبطه بعضهم: كِنَّ بحذف الهمزة وكسر الكاف وتشديد النُّون على صيغة الأمر، على أنَّ أصله: «أَكِنَّ» فحُذِفت الهمزة تخفيفًا، قال القاضي: وهو صحيحٌ، وجوَّز ابن مالكٍ: «كُنَّ» بضمِّ الكاف وحذف الهمزة على أنَّه من «كُنَّ» فهو مكنونٌ
ج1ص439
أي: صانه، قال العينيُّ كغيره: وهذا له وجهٌ، ولكنَّ الرِّواية: كُنَّ؛ بضمِّ الكاف وحذف الهمزة [5] لا تساعده (وَإِيَّاكَ) خطابٌ للصَّانع (أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ) أي: إيَّاك وتحمير المسجد وتصفيره (فَتَفْتِنَ النَّاسَ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتسكين الفاء وفتح النُّون، من: فتن يفتن؛ كضرب يضرب، وضبطه الزَّركشيُّ: بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة [6] على أنَّه من «أفتن»، وأنكره الأصمعيُّ.
(وَقَالَ أَنَسٌ) ممَّا وصله أبو يعلى الموصليُّ [7] في «مسنده» وابن خزيمة في «صحيحه»: (يَتَبَاهَوْنَ) بفتح الهاء من المباهاة، أي: يتفاخرون (بِهَا) أي: بالمساجد (ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا) بالصَّلاة والذِّكر (إِلَّا قَلِيلًا) بالنَّصب، ويجوز الرَّفع على البدل من ضمير الفاعل.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ممَّا وصله أبو داود [8] وابن حبَّان: (لَتُزَخْرِفُنَّهَا) بفتح «لام القسم» وضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح الزَّاي وسكون الخاء المُعجَمة وكسر الرَّاء وضمِّ الفاء دلالةً على واو الضَّمير المحذوفة عند اتِّصال نون التَّوكيد، من الزَّخرفة؛ وهي الزِّينة بالذَّهب ونحوه (كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) كنائسهم وبِيَعَهم لمَّا حرَّفوا الكتب وبدَّلوها، وضيَّعوا الدِّين وعرَّجوا على الزَّخارف والتَّزيين [9].
واستُنبِط منه: كراهية زخرفة المساجد لاشتغال قلب المصلِّي بذلك، أو [10] لصرف المال في غير وجهه، نعم إذا وقع ذلك على سبيل التَّعظيم للمساجد، ولم يقع الصَّرف عليه من بيت المال فلا بأس به، ولو أوصى بتشييد مسجدٍ وتحميره وتصفيره، نُفِذت وصيِّته لأنَّه قد حدث للنَّاس فتاوى بقدر ما أحدثوا، وقد أحدث النَّاسُ مؤمنُهم وكافرُهم تشييدَ بيوتهم وتزيينها، ولو بنينا مساجدنا باللَّبِن وجعلناها متطامنةً بين [11] الدُّور الشَّاهقة، وربَّما كانت لأهل الذِّمَّة لكانت مستهانةً، قاله ابن المُنَيِّر، وتُعقِّب بأنَّ المنع إن كان للحثِّ على اتِّباع السَّلف في ترك الرَّفاهية فهو كما قال، وإن كان لخشية شغل قلب و [12] بال المصلِّي بالزَّخرفة فلا؛ لبقاء العلَّة.
ج1ص440


[1] «أي»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[2] في (د): «صورة».
[3] في (د): «عن».
[4] «لكن بزيادة الواو»: مثبتٌ من (م).
[5] «كُنَّ: بضمِّ الكاف وحذف الهمزة»: مثبتٌ من (م).
[6] «الفوقيَّة»: ليس في (ص) و(م).
[7] «الموصليُّ»: مثبتٌ من (م).
[8] زِيد في (د): «وابن ماجه»، وليس بصحيحٍ.
[9] «وعرجوا على الزَّخارف والتَّزيين»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[10] في (م): «و».
[11] في (م): «من».
[12] «قلب و»: مثبتٌ من (م).