إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي

3623- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) بنُ أبي زائدةَ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة، ابن يحيى المكتب (عَنْ عَامِرٍ) ولأبي ذرٍّ زيادة: ((الشعبي)) (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ) رضي الله عنها (تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا) بكسر الميم، لأنَّ المراد: الهيئة (مَشْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وكان إذا مشى كأنَّما ينحدَّرُ مِن صَبَب (فَقَالَ) لها (النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَرْحَبًا يا ابْنَتِي) بياء النداء في الفرع، وفي «الناصرية»: ((يا)) حرف نداء ((بنتي)) بإسقاط الألف، وعلى هامشها: صوابه: ((بابنتي)) بموحَّدة فألفِ وصلٍ وإسكان الموحَّدة، وكذا هو في «اليونينية»، وظاهر الفرع إلحاق ألف وزيادة نقطة تحت الموحَّدة (ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَو عَنْ شِمَالِهِ) بالشكِّ من الراوي (ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا، فَبَكَتْ) قالت عائشة رضي الله عنها: (فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ) قالت عائشة رضي الله عنها: (فَقُلْتُ) لها [1]: (مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ) أي: كفرح اليوم (فَرَحًا) بفتح الراء (أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الزاي، ولأبي ذرٍّ: ((من حَزَن)) بفتحهما، قالت عائشة رضي الله عنها: (فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ) عليه الصلاة والسلام لها [2] حتى بكت وضحكت. 3
3624- (فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ) بضمِّ الهمزة (سِرَّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) متعلق بمحذوف تقديره: فلم تقل لي شيئًا حتى توفي (فَسَأَلْتُهَا) عن ذلك (فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ: إِنَّ جِبْرِيلَ) بكسر همزة «إن» (كَانَ يُعَارِضُنِي) يُدارسُني (الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، ولا أَظُنُّه (إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي) فيه: أنَّه استنبط ذلك
ج6ص67
ممَّا ذكره مِن معارضة القرآن مرَّتين، وفي رواية عروة: الجزم بأنَّه ميت مِن وجعه ذلك (وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي) بفتح اللَّام والحاء المهملة (فَبَكَيْتُ) لذلك الذي قاله من حضور أجلي [3]، وأنَّكِ أوَّلُ أهلِ بيتي موتًا بعدي (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَمَا) بتخفيف الميم (تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) دخل فيه أخواتُها وأُمُّها وعائشةُ رضي الله عنهن، قيل: وإنَّما سادتهُنَّ، لأنهنَّ مِتْنَ في حياته صلى الله عليه وسلم فكُنَّ في صحيفته، ومات أبوها وهو سيِّد العالمين فكان في صحيفتها وميزانها، وقد روى البزَّار عن عائشة رضي الله عنها أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: «فاطمةُ خيرُ بناتي، أصيبتْ [4] بي، فحُقَّ لمن كانتْ هذه حالتُها أنْ تسودَ نساءَ أهلِ الجنَّة». وقد سُئل أبو بكر بن داود: مَن أفضلُ خديجةُ أم فاطمة؟ فقال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ فاطمة بضعة منِّي» فلا أعدل ببضعة [5] رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا، وحسَّنَ هذا القولَ السُّهيليُّ، واستشهد لصِحَّته: بأنَّ أبا لبابة حين ربطَ نفسَه وحلف ألَّا يحُلَّه إلَّا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، جاءت فاطمةُ لتَحُلَّه، فأبى مِن أجل قَسَمِه، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما فاطمةُ بَضعةٌ منِّي»، فحلَّتْه، وهو تقريرٌ حسنٌ، لكن قوله: لأنهنَّ [6] مِتْنَ في حياته، منتقضٌ بأنَّ عائشةَ لم تمُتْ في حياته، بل بعدَه في أيَّام معاويةَ بنِ أبي سفيان، وقد يُقال: إنَّ قولَه: (أَوْ) سيدة (نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) بالشكِّ من الراوي يُضعِفُ الاستدلال بالسابق مع ما يتبادر إليه الذهن مِن أنَّ المراد من لفظ «المؤمنين» غيرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فلا يدخلُ أزواجُه، ودخولُ المتكلِّم في عموم كلامه مختلَفٌ فيه كما لا يخفى (فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ) الذي قاله، وهو: «أَمَا تَرَضَينَ أن تكوني سيِّدةَ نِساءِ أهلِ الجنَّة».
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الاستئذان» [خ¦6285] [خ¦6286] و«فضائل الصحابة [7]» [خ¦3715] [خ¦3716]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والنَّسائيُّ في «الوفاة» و«المناقب».
ج6ص68


[1] «لها»: مثبت من (م).
[2] «لها»: ليس في (ص) و(م).
[3] في (م): «أجله».
[4] في غير (د): «إنها أصيبت».
[5] زيد في غير (د): «من».
[6] «لأنهن»: ليس في (ص) و(م).
[7] في النسخ: «القرآن»، وهو أيضًا في «المغازي» (4433، 4434).