إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه

3500- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بن مسلمٍ، أنَّه (قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) النَّوفليُّ الثقةُ العارفُ بالنسبِ (يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ) بنَ أبي سفيان رضي الله عنهما (وَهْوَ) أي [1]: والحالُ أنَّ محمَّدَ بنَ جُبيرٍ (عِنْدَهُ) والحالُ أنَّه (فِي وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي) بالياء بعد الصاد وفتح همزة «أنَّ»، والعاملُ [2] فيه قوله: «بَلَغَ» (يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ) قيل: اسمُه: جهجاهُ بنُ قيسٍ الغفاريُّ (مِنْ قَحْطَانَ) بفتح القاف وسكون الحاء وفتح الطاء المهملتين، وهو [3] جِماع اليمن (فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ) [4] من قوله ذلك (فَقَامَ) خطيبًا (فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُو أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يَتَحَدَّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَا تُؤْثَرُ) بالمثنَّاة الفوقيَّة والمثلَّثة، ولا [5] تروى (عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَالْأَمَانِيَّ الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا) بتشديد ياء «الأمانيَّ» جمعُ أُمنيَّة، وهي المتُمنَّيات، وما حكاه العينيُّ من أنَّ «الأمانيّ» بمعنى: التلاوة، قال: وكان المعنى: إيَّاكم وقراءةَ ما في الصُّحفِ التي تُؤثَرُ عن أهل الكتاب، وكانَ ابنُ عمرٍو قد قرأ التوراةَ ويَحكي عن أهلها، وإلَّا فلو حدَّثَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لم يُنكرْ عليه معاويةُ، لأنَّه لم يكن متَّهمًا.. معارَضٌ بما في «البخاريِّ» من حديث أبي هريرة مرفوعًا من خروج القحطاني [خ¦3517] [خ¦7117] لكن سكوت عبد الله بن عَمرٍو يُشعِر [6] بأنَّه لم يكن عنده في ذلك حديثٌ مرفوعٌ [7] (فإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ) أي: الخلافة (فِي قُرَيْشٍ) يستحقونها دون غيرهم (لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ) في ذلك (إِلَّا كَبَّهُ اللهُ عَلَى وَجْهِهِ) وفي نسخة: ((أَكَبَّه)) بالهمزة، وهذا الفعل من النوادر، فإن ثلاثيه متعدٍّ، فإذا دخلت عليه الهمزةُ صار لازمًا، على عكس المعهود في الأَصل (مَا أَقَامُوا) أي: مدَّة إقامتهم (الدِّينَ) أو أنَّهم إذا لم يُقيموا الدِّينَ لا يُسمَعُ لهم، وهذا الذي أنكره معاويةُ على ابن عمرٍو قد صحَّ من حديث أبي هريرةَ عند المؤلِّف كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقومُ الساعةُ حتى يخرجَ رجلٌ من قحطانَ يسوقُ الناسَ بعصاهُ» [خ¦3517] [خ¦7117] ولا تناقُضَ بين الحديثينِ، لأنَّ خروجَ هذا القحطانيِّ إنَّما يكونُ إذا لم تُقِم قريشٌ الدِّينَ، فيُدال عليهم في آخر الزمان، واستحقاقُ قريشٍ الخلافةَ لا يَمنَعُ وجودها في غيرِهم، فحديثُ عبدِ الله في خروجِ القحطانيِّ حكايةٌ عنِ الواقعِ، وحديثُ معاويةَ في الاستحقاقِ، وهو مقيَّدٌ بإقامة الدِّينِ، ومِن ثَمَّ لمَّا استخفَّ الخلفاءُ بأمرِ الدِّينِ ضَعُفَ أمرُهم، وتلاشتْ أحوالُهم حتى لم يبقَ لهم مِنَ الخلافةِ سِوى اسمُها المجرَّدُ في بعض الأقطار دون أكثرِها، وقولُ الكرماني: فإن قلت: فما قولك في زماننا حيث ليس الحكومةُ لقريشٍ؟ قلت: في بلاد المغرب
ج6ص6
الخلافةُ فيهم، وكذا في مصر خليفةٌ منهم [8].. اعترضَه العينيُّ: بأنَّه لم يكن في المغرب خليفةٌ، وليس في مصرَ إلَّا الاسمُ، وليس له حَلٌّ ولا ربطٌ، ثم قال: ولئن سلَّمنا صِحَّةَ ما قاله فيلزمُ منه تعدُّدُ [9] الخلافة، ولا يجوز إلَّا خليفةٌ واحدٌ؛ لأنَّ الشارع أمر ببيعة الإمام والوفاء ببيعته، ثمَّ مَن نازعه يُضرَبُ عُنُقُه.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأحكام» [خ¦7139]، والنسائي في «التفسير».
ج6ص7


[1] «أي»: مثبت من (د).
[2] في (ص) و(م): «والفاعل».
[3] كذا في (د)، وفي (م): «هو»، وفي غيرها: «هم».
[4] زيد في (د): (ابن أبي سفيان رضي الله عنهما).
[5] في (ب) و(س): «لا».
[6] في (د): «مشعرٌ».
[7] في غير (د): «معروف».
[8] «منهم»: مثبت من (د) و(م).
[9] في غير (د) و(م): «تعداد».