إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة

3595- وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثنا)) (مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ) بفتحتين، أبو عبد الله المروزيُّ الأحول قال: (أَخْبَرَنَا النَّضْرُ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، ابنُ شُمَيل المازنيُّ قال: (أَخْبَرَنَا [1] إِسْرَائِيلُ) بنُ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السَّبيعيُّ قال: (أَخْبَرَنَا سَعْدٌ) بسكون العين، أبو مجاهدٍ (الطَّائِيُّ) قال: (أَخْبَرَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ) بضمِّ الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللَّام، الطائيُّ [2] (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الطائيِّ أنَّه (قَالَ: بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ) أيضًا (فَشَكَا إِلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم، وثبت لفظ «إليه» لأبي ذرٍّ (قَطْعَ السَّبِيلِ) أي: الطريق من طائفة يترصَّدون في المكامن لأخذ المال أو لغير ذلك، ولم يُسَمَّ الرجلُ الآخر، لكن في «دلائل النبوة» لأبي نُعيم ما يُرشِدُ إلى أنَّ الرجلين [3] صهيب وسلمان (فَقَالَ: يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟) بكسر الحاء المهملة وسكون التحتيَّة وفتح الراء، كانت بلد ملوكِ العرب الذين تحت حكم آل فارس، وكان ملكهم يومئذٍ إياسَ بنَ قَبيصةَ الطائيَّ، وَلِيَها تحت يدِ كسرى بعد قتلِ النعمانِ بنِ المنذرِ (قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أُخبرتُ (عَنْهَا) عن الحِيرَة (قَالَ: فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ) بالظاء المعجمة، المرأة في الهودج (تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللهَ) قال عَدِيٌّ: (قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي) مُتعجِّبًا: (فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ) بالدال والعين المهملتين لا بالذال المعجمة، أي: كيف تَمُرُّ المرأةُ على قُطَّاع الطريق من طيئٍ غيرَ خائفة، وهم يقطعون الطريق على مَن مَرَّ عليهم بغيرِ جِوار (الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ) بفتح السين والعين المشدَّدة المهملتين، أي: ملؤوها شرًا وفسادًا، وهو مستعارٌ مِنِ استعارِ النار، وهو توقُّدُها والتهابُها، والموصولُ صفةُ سابقه (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ
ج6ص50
حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ) بفتح اللَّام وضمِّ الفوقيَّة وسكون الفاء وفتح الفوقيَّة والحاء المهملة وتشديد النون مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: ((لتُفتَتَحن)) بفتح التائين [4] (كُنُوزُ كِسْرَى) قال عديٌّ مستفهِمًا: (قُلْتُ: كِسْرَى) أي: كنوز كِسرى (بْنِ هُرْمُزَ؟! قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ) ملكِ الفُرس، وإنَّما قال عديٌّ ذلك لعظمةِ كسرى إذْ ذاك (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ) بفتح اللَّام والفوقيَّة والراء والتحتيَّة وتشديد النون (الرَّجُلَ يُخْرِجُ) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه (مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ) لعدم الفقراء حينئذٍ، قيل: وذلك يكون في زمن عيسى عليه السلام. وجزم البيهقيُّ: بأنَّ ذلك في زمن عمرَ بنِ عبد العزيز رضي الله عنه، لحديثِ عمرَ بن أسيد [5] بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطَّاب قال: لمَّا ولي عمرُ بنُ عبد العزيز ثلاثين شهرًا لا والله ما مات حتى جعل الرجلُ يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث تَرون في الفقراء، فما يَبرحُ حتى يرجعَ بماله، نتذاكر [6] من نضعه فيه فلا نجده، قد أغنى عمرُ الناسَ، رواه البيهقيُّ وقال: فيه تصديق ما روينا في حديث عديِّ بن حاتمٍ (وَلَيَلْقَيَنَّ اللهَ أَحَدُكُمْ) بفتح اللَّام والتحتيَّة وسكون اللَّام وفتح القاف والتحتيَّة، ورفعِ «أحدُكم» على الفاعليَّة (يَوْمَ يَلْقَاهُ) في القيامة (وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ) بفتح الفوقيَّة وضمِّها وضمِّ الجيم (يُتَرْجِمُ لَهُ، فَيَقُولَنَّ: أَلَمْ) ولأبي ذرٍّ: ((فليقولن له)) بزيادة لامٍ بعد الفاء، ولفظة «له»: ألم (أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ) بصيغة المضارع منصوبًا (فَيَقُولُ: بَلَى) يا ربّ (فَيَقُولُ) جلَّ وعلا: (أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا؟) زاد الكُشْمِيهَنيُّ: ((وولدًا)) (وَأُفْضِلْ) بضمِّ الهمزة وسكون الفاء وكسر الضاد المعجمة مِنَ الإفضال، أي: وألم أُفْضِلْ (عَلَيْكَ؟) منه (فَيَقُولُ: بَلَى) يا ربّ (فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، قَالَ عَدِيٌّ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ) بكسر الشين المعجمة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ والحَمُّويي: ((بشِقِّ تمرةٍ)) بحذف تاء التأنيث بعدَ القاف (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكشمِيهَنيِّ والحَمُّويي [7]: ((شِقَّ تمرةٍ)) يتصدَّقُ بها (فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) يردُّه بها ويطيِّبُ قلبَه (قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، لَا تَخَافُ إِلَّا اللهَ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ) قال عَدِيٌّ أيضًا: (وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ) بالواو (مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُخْرِجُ) أي: الرجلُ (مِلْءَ كَفِّهِ) أي: مِن ذهبٍ أو فِضَّةٍ فلا يجدُ مَن يَقبلُه.
وهذا الحديث قد مرَّ في «كتاب الزكاة» في «باب الصدقة قبل الرد» [خ¦1413].
وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثنا)) (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَدي، وثبت: ((ابن محمَّد)) لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) بنُ مخلدٍ أحدُ مشايخ المؤلِّف، وروى [8] عنه هنا بواسطةٍ، قال: (أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ) بالموحَّدة المكسورة [9] والمعجمة الساكنة، الجهنيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ) سعْدٌ _بسكون العين_ الطائيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ) بضمِّ الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللَّام، الطائيُّ [10] قال: (سَمِعْتُ عَدِيًّا) هو ابنُ حاتمٍ الطائيُّ يقول: (كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...) ولفظ متن هذا الإسناد سبقَ في «الزكاة» [خ¦1413] وهو: فجاءَه رجلان أحدهما يشكو العَيْلَة، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمَّا قطعُ السبيل، فإنَّه لا يأتي عليك إلَّا قليلٌ حتى تخرجَ العِير إلى مكَّةَ بغير خفيرٍ، وأمَّا العَيْلَة فإنَّ الساعةَ لا تقومُ حتى يطوفَ أحدُكم بصدقَتِه لا يَجِدُ مَن يقبلُها منه، ثم ليَقِفَنَّ أحدُكم بين يدي الله [11] ليس بينه وبينه حِجابٌ ولا ترجمانٌ يُترجِمُ له، ثم ليقولنَّ له: ألم أوتكَ مالًا [12]، فليقولنَّ: بلى، ثم ليقولنَّ: ألم أُرسل إليك رسولًا؟ فليقولنَّ: بلى، فينظرُ عن يمينه فلا يرى إلَّا النار، ثم ينظرُ عن شماله فلا يرى إلَّا النار، فلْيتَّقِيَنَّ أحدُكم النارَ ولو بِشقِّ تمرةٍ، فإن لم يجدْ فبكلمةٍ طيبةٍ» هذا لفظُه، وقد يُوهِمُ إطلاقُ المؤلِّف أنَّه مثلُ الأوَّلِ سواءً.
ج6ص51


[1] في (د): «حدَّثنا».
[2] «الطائي»: ليس في (د).
[3] في (ل): «الرَّجلان».
[4] في (د) و(م): «التاء».
[5] في (ب): «أسد».
[6] في (د): «نذاكر».
[7] في غير (د): «ولأبي ذرٍّ عنهما».
[8] في غير (د) و(ب): «روى».
[9] «بالموحدة المكسورة»: ضرب عليها في (م).
[10] «الطائي»: ليست في (د)، وضرب عليها في (م)، وقوله: «حدثنا محل بن خليفة بضم الميم...»: سقط من (ص).
[11] زيد في غير (د): «عز وجل».
[12] زيد في غير (ص) و(م): «وولدًا».