إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن النبي أعطاه دينارًا يشتري به شاةً فاشترى له به شاتين

3642- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا) والذي في «اليونينية»: ((أخبرنا)) (سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ قال: (حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ) بفتح الشين المعجمة وكسر الموحَّدة الأُولى وسكون التحتيَّة، و«غَرْقَدة» بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف والدال المهملة، السُّلَمِيُّ الكوفيُّ أحدُ التابعين (قَالَ: سَمِعْتُ الْحَيَّ) بالحاء المهملة المفتوحة والتحتيَّة المشدَّدة، أي: القبيلة التي أنا فيها، وهم البارقيون، نسبوا إلى بارقٍ جبلٌ باليمن نزله بنو سعد بن عَدي بن حارثة فنسبوا إليه، ومقتضاه: أنَّه سمعه من جماعةٍ أقلُّهم ثلاثة (يُحَدِّثُونَ) ولأبي ذرٍّ: ((يَتحدَّثون)) بفتح التحتية وزيادة فوقيَّة وفتح الدال (عَنْ عُرْوَةَ) بن الجَعْد، ويقال: ابن أبي الجَعْد، وقيل: اسم أبيه: عياض البارقي _بالموحَّدة والقاف_ الصحابيُّ الكوفيُّ، وهو أوَّل قاضٍ بها، وقال الحافظ أبو ذرٍّ ممَّا في هامش «اليونينية»: ((عروة هو البارقي رضي الله عنه)).
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ) بالدينار (شَاتَيْنِ) ولأحمدَ من رواية أبي لبيد عن عروة قال: عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جَلَبٌ فأعطاني دينارًا فقال: «أي عروة ائتِ الجلب فاشتر لنا شاة» قال: فأتيتُ الجلب فساومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينار (فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا) أي: إحدى الشاتين (بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: ((فجاءه)) بالفاء بدل الواو (بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا) عليه الصلاة والسلام (لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ) في رواية أحمد: فقال: «اللهم بارك له في صفقته» (وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ) ولأحمدَ: قال: فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفًا قبل أن أصل إلى أهلي.
(قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ بالسند السابق: (كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، البَجليُّ مولاهم الكوفيُّ قاضي بغداد في زمن المنصور ثاني خلفاء بني العبَّاس، وهو أحد الفقهاء المتَّفق على ضعفِ حديثهم، وفي «التهذيب»: قال محمود بن غيلان عن أبي داود الطيالسي: قال شعبة: أتيت جرير بن حازم فقلت [1] له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عُمارة فإنَّه يكذب، وقال علي بن الحسن بن شقيق: قلت لابن المبارك: لم تركت أحاديث الحسن بن عُمارة؟ قال: جرحه عندي سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، فبقولهما تركت حديثه، وقال أحمد ابن حنبل: منكر الحديث وأحاديثه موضوعة لا يثبت حديثه، وقال ابن حبان: كان يدلس على الثقات ما سمعه من الضعفاء عنهم، وبالجملة فهو متروك، لكن ليس له في «البخاري» إلَّا هذا الموضع (جَاءَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ) المذكور (عَنْهُ) أي: عن شبيب بن غَرقَدة (قَالَ) أي: الحسن بن عمارة المذكور: (سَمِعَهُ) أي: الحديث (شَبِيبٌ مِنْ عُرْوَةَ) البارقيُّ، قال سفيانُ بنُ عُيينةَ: (فَأَتَيْتُهُ) أي: شبيبًا (فَقَالَ شَبِيبٌ: إِنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ) أي: الحديث (مِنْ عُرْوَةَ) البارقيِّ، بل (قَالَ) أي: شبيبٌ (سَمِعْتُ الْحَيَّ) البارقيين (يُخْبِرُونَهُ) أي: بالحديث (عَنْهُ) أي: عن عروة.
وتمسَّك بهذا الحديث من جوز بيع الفضولي، ووجه الدلالة منه [2] كما قال ابن الرِّفْعَة: أنَّه باع الشاة الثانية من غير إذن، وأقرَّه عليه الصلاة والسلام على ذلك، وهو مذهب مالكٍ في المشهور عنه وأبي حنيفة، وبه قال الشافعيُّ في القديم، فينعقدُ البيعُ، وهو موقوفٌ على إجازة المالك فإن أجازه نفذَ، وإن ردَّه لغا، وممَّن حكى هذا القول من العراقيِّينَ المَحامليُّ في «اللباب». وعلَّق الشافعيُّ في «البويطي» صِحَّتَه على صِحَّة الحديث، فقال في آخر «باب الغصب»: إن صح حديثُ عروةَ البارقي فكلُّ مَن باع أوأعتق مُلْكَ غيرِه بغير إذنه ثم رضيَ، فالبيعُ والعِتقُ جائزان، هذا لفظه، ونقل البيهقيُّ أنَّه علَّقه أيضًا على صحَّته في «الأم». والمذهبُ: أنَّه باطل، وهو الجديدُ الذي لا يعرف العراقيُّونَ
ج6ص76
غيرَه على ما حكاه الإمام ومَن تابعه، لحديث حكيم بنِ حِزامٍ: «لا تَبِعْ ما ليس عندك» وحديث واثلةَ بن عامر: «لا تبع ما لا تملك»، وأجابوا عن حديث الباب على تقدير صحَّتِه باحتمال أن يكون عروةُ وكيلًا في البيع والشراء معًا، وبأنَّ البخاري أشار بقوله «قال سفيان: كان الحسن... إلى آخره» إلى بيان ضعف روايتِه، أي: الحسن، وأنَّ شبيبًا لم يسمع الحديث من عروةَ، وإنَّما سمعَه مِن الحي البارقيين _ولم يسمِّهم [3]_ عن عروة، فالحديث بهذا ضعيف للجهل بحالهم، وأجيب: بأنَّ شبيبًا لا يروي إلَّا عن عدل، فلا بأس به، وبأنَّه أراد نقلَه بوجهٍ آكد؛ إذ فيه إشعارٌ بأنَّه لم يسمع من رجل فقط، بل مِن جماعةٍ متعدِّدة رُبَّما يُفيد خبرُهم القطع به، وأمَّا الحسن بن عُمارة وإن كان متروكًا، فإنَّه ما أثبت شيئًا بقوله من هذا الحديث، وبأنَّ الحديث قد وُجِد له متابعٌ عند الإمام أحمدَ وأبي داود والترمذيُّ وابن ماجه من طريق سعيد بن زيد، عن الزبير بن الخِرِّيت بكسر المعجمة وتشديد الراء المكسورة وبعدها تحتيَّة ساكنة ثم فوقيَّة، عن أبي لبيد _واسمه لِمازة بكسر اللام وتخفيف الميم وبالزاي_ ابن زَبَّاز _بفتح الزاي وتشديد الموحَّدة آخره زاي_ الأزديِّ الصدوق قال: حدثني عروةُ البارقي... فذكر الحديث بمعناه.
3643- (وَلَكِنْ) أي: قال شبيبُ بن غَرقَدة: لم أسمعِ الحديثَ السابق من عروة البارقي، ولكن (سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْخَيْرُ مَعْقُودٌ) أي: لازم (بِنَوَاصِي الْخَيْلِ) الغازية في سبيل الله (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وفيه تفضيل الخيل على سائر الدواب (قَالَ) أي: شبيبٌ بالسند السابق: (وَقَدْ رَأَيْتُ فِي دَارِهِ) أي: دار عروةَ (سَبْعِينَ فَرَسًا قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينةَ بالسند السابق: (يَشْتَرِي) بفتح أوَّلِه وكسر الراء، أي: عروة البارقي (لَهُ) أي: لرسول الله صلى الله عليه وسلم (شَاةً كَأَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ) والظاهر أنَّ قوله: «كأنَّها أُضحية» من قول سفيان أدرجه فيه، وكذا قال في «الفتح» ولم أرَ في شيء من طرق الحديث أنَّه أراد أضحيَّة، وقد بالغ أبو الحسن بن القطان في «كتاب بيان الوهم» في الإنكار على من زعم أنَّ البخاري أخرج حديث شراء الشاة محتجًّا به، وقال: إنَّما أخرج حديث الخيل وانجرَّ به سياق القِصَّة إلى تخريج حديث الشاة، قال في «الفتح»: وهو كما قال، لكن ليس في ذلك ما يمنع تخريجَه، ولا ما يَحُطُّه عن شرطه، لأنَّ الحيَّ يمتنعُ في العادة تواطؤهم على الكذب، لاسيما وقد ورد ما يعضُدُه، ولأنَّ الغرض منه الذي [4] يدخل في علامات النبوَّة دعاؤُه صلى الله عليه وسلم لعُروة، فاستجيب له حتى كان لو اشترى التراب ربح فيه.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذيُّ في «البيوع»، وابن ماجه في «الأحكام».
ج6ص77


[1] في (ص) و(م): «فقل».
[2] «منه»: ليس في (ص).
[3] في (د) و(ص) و(م): «يسمعهم».
[4] ضرب عليه في (م)، وفي (د): «أنه».