إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث أبي بكر في الهجرة

3615- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: ((أخبرنا)) (أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ) من الزيادة (ابْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ) بفتح الحاء المهملة والراء المشدَّدة وبعد الألف نون، قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) الجُعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرُو بنُ عبد الله السَّبيعيُّ قال: (سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ) الصديق (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي) أي: عازبِ بنِ الحارث الأوسيِّ الأنصاريِّ (فِي مَنْزِلِهِ، فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة، وهو للناقة كالسرج للفرس (فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثِ ابْنَكَ) البراء (يَحْمِلْهُ) يعني: الرحل (مَعِي، قَالَ) البراءُ: (فَحَمَلْتُهُ مَعَهُ، وَخَرَجَ أَبِي) عازبٌ (يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ) أي: يستوفيه، وكان كما في «باب مناقب المهاجرين» [خ¦3652]: ثلاثة عشر درهمًا (فَقَالَ لَهُ أَبِي) عازبٌ: (يَا أَبَا بَكْرٍ حَدِّثْنِي) بالإفراد (كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ) بغير ألف (مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي: حين خرجتما من الغار في الهجرة (قَالَ: نَعَمْ) أُحدِّثُك عن ذلك (قال: أَسْرَيْنَا) بألف، لغتان جمع بينهما عازبٌ والصديقُ (لَيْلَتَنَا) أي: بعضها (وَمِنَ الْغَدِ) أي: بعضه، والعطفُ فيه كهو في قوله: [من الرجز]
~علفتُها تبنًا وماءً باردًا . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذِ الإسراءُ إنَّما يكون بالليل، وإنَّما قال: ليلتنا ليدُلَّ على أنَّ الإسراء كان قد وقع طول الليل (حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ) شدَّةُ حرِّها عند نصف النهار، وسمِّي قائمًا، لأنَّ الظلَّ لا يظهر حينئذٍ [1]، فكأنَّه واقفٌ (وَخَلَا الطَّرِيقُ) مِنَ السالك [2] فيه [3] (لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ) مِن شدَّة الحرِّ (فَرُفِعَتْ) بضمِّ الراء وكسر الفاء، أي: ظهرتْ (لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ، لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ) أي: على الظلِّ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((عليها)) أي [4]: الصخرة (الشَّمْسُ) بحيث تذهب بظلِّها، بل كان ظلُّها ممدودًا ثابتًا (فَنَزَلْنَا عِنْدَهُ) عند الظِّلِّ (وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانًا بِيَدِي يَنَامُ عَلَيْهِ، وَبَسَطْتُ فِيهِ) ولأبي ذرٍّ: ((عليه)) (فَرْوَةً) زاد في رواية يوسف بن إسحاق، وفي حديث حُديج: فروةً [5] كانت معي، وفي «جزء ابن لُوَين»: كانت معي [6] (وَقُلْتُ) له عليه الصلاة والسلام: (نَمْ يَا رَسُولَ اللهِ وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ) أي: من الغبار ونحوه حتى لا يثيرُه الريح، أو أحرسُك وأطوف هل [7] أرى طلبًا، يقال: نفضت المكان واستنفضتُه وتنفضتُه [8]: إذا نظرت جميعَ ما فيه (فَنَامَ) عليه الصلاة والسلام (وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ) من الغبار أو أحرسه (فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَرَدْنَا) مِنَ الظلِّ (فَقُلْتُ: لِمَنْ) ولأبي ذرٍّ: ((فقلت له: لمن)) (أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَو مَكَّةَ) بالشكِّ، وفي رواية مسلمٍ من طريق الحسن بن محمَّد بن أعين عن زهير: فقال: لرجل [9] من أهل المدينة، من غير شكٍّ، وفي «البخاري» الجزمُ بأنَّها مكَّة، فإطلاقُ [10] المدينة عليها للصفة لا للعلميَّة، فليست المدينةُ النبويَّة مرادةً هنا [11]، والراعي وصاحب الغنم لم يُسمَّيا (قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمُ، قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ؟) بضمِّ اللَّام، أي [12]: أمعكَ إِذْنٌ من مالكها في الحلب لمن يَمُرُّ بك على سبيل الضيافة (قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ) أي: الراعي (شَاةً) قال الصديق: (فَقُلْتُ) له:
ج6ص62
(انْفُضِ الضَّرْعَ) أي: ثدي الشاة (مِنَ التُّرَابِ وَالشَّعَرِ وَالْقَذَى) بالقاف والذال المعجمة مقصورًا، وأصلُه ما يقع في العين، قال الجوهريُّ: أو في الشراب، وكأنَّه شبَّه ما يعلَقُ بالضَّرْع [13] مِنَ الأوساخ بالقَذَى الذي يسقُطُ في العين أو الشراب (قَالَ) أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ: (فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ، فَحَلَبَ) الراعي (فِي قَعْبٍ) بقاف مفتوحة فعين مهملة ساكنة، قدحٍ من خشبٍ مقعَّر [14] (كُثْبَةً) بضمِّ الكاف وسكون المثلَّثة وفتح الموحَّدة، شيئًا قليلًا (مِنْ لَبَنٍ) قدْرَ حَلْبَةٍ (وَمَعِي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((ومعه)) (إِدَاوَةٌ) بكسر الهمزة، إناءٌ مِن جلدٍ فيه [15] ماء (حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ) لأجله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْتَوِي) يستقي (مِنْهَا) حالَ كونِه (يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ) مستأنفان لبيان الاعتمال في السقي (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ) من نومه (فَوَافَقْتُهُ حِينَ اسْتَيْقَظَ) أي: وافق إتياني وقتَ استيقاظه (فَصَبَبْتُ مِنَ الْمَاءِ) الذي في الإداوة (عَلَى اللَّبَنِ) الذي في القَعْب (حَتَّى بَرَدَ) بفتح الراء (أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ) أي: طابتْ نفسي لكثرةِ ما شرب (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ) أي: ألم يأتِ وقتُ الارتحال، قال أبو بكر رضي الله عنه: (قُلْتُ [16]: بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا مَالَتِ الشَّمْسُ) عن خط الاستواء وانكسرت سورة [17] الحَرِّ (وَاتَّبَعَنَا) بفتح العين (سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ) بضمِّ السين، ابنِ جُعْشُم (فَقُلْتُ: أُتِينَا) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: لَا تَحْزَنْ، إِنَّ اللهَ مَعَنَا) بالنصر (فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَارْتَطَمَتْ) بهمزة وصلٍ وسكون الراء وفتح الفوقيَّة والطاء المهملة والميم (بِهِ) بسُراقة [18] (فَرَسُهُ) أي: غاصتْ به [19] قوائمُها (إِلَى بَطْنِهَا، أُرَى) بضمِّ الهمزة، أَظُنُّ (فِي جَلَدٍ) بفتح الجيم واللام، صُلْبٍ (مِنَ الْأَرْضِ، شَكَّ زُهَيْرٌ) الراوي هل قال هذه اللفظة أم لا؟ (فَقَالَ) سُراقة: (إِنِّي أُرَاكُمَا) بضمِّ الهمزة، أَظنُّكما (قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ) حتى ارتطمتْ بي فرسي (فَادْعُوَا لِي) بالخَلاص (فَاللهُ لَكُمَا) مبتدأٌ وخبرٌ، أي: ناصرُكما وحافظُكما [20] حتى تبلغا مقصدَكما (أَنْ أَرُدَّ) أي: ادعوا لِأْنَ أَرُدَّ (عَنْكُمَا الطَّلَبَ) وفي نسخة: ((فاللهَ)) بالنصب، قال في «المصابيح»: على إسقاطِ حرف القَسَم، أي: أُقسم بالله لكما أَنْ [21] أرد عنكما، أو على معنى: فخذا عهدَ الله لكما، فَحَذَفَ المضافُ وأُقام [22] المضافُ إليه مُقامه (فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَجَا) من الارتطام (فَجَعَلَ) أي: فشَرَعَ فيما وَعَدَ مِن رَّدَ مَن لقي، فكان (لَا يَلْقَى أَحَدًا) يطلُبُهما (إِلَّا قَالَ) له: (كَفَيْتُكُمْ) ولأبي ذرٍّ: ((إلَّا قال: قد كفيتُكُم)) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((كُفِيُتم)) بضمِّ الكاف وكسر الفاء، وإسقاط الكاف الثانية (مَا هُنَا) أي: الطلبَ الذي هنا لأنِّي كفيتُكُمُوه (فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ) بيانٌ لسابقه (قَالَ) أبو بكر رضي الله عنه: (وَوَفَى) بتخفيف الفاء سُراقةُ (لَنَا) ما وَعَدَ به من رَدِّ الطلب.
ج6ص63


[1] «حينئذٍ»: ليس في (ص) و(م).
[2] في (م): «المسالك».
[3] (فيه»: ليس في (ب) و(م).
[4] «أي»: ليس في (د).
[5] «فروة»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[6] قوله: «وفي جزء ابن لُوَين: كانت معي» مثبتٌ من (ل).
[7] في (د): «حتى».
[8] في (م): «نفضته».
[9] في (م): «الرجل».
[10] في غير (د): «فأطلق».
[11] «هنا»: ليس في (ص) و(م).
[12] «أي»: مثبت من (د) و(س).
[13] في (د): «في الضرع».
[14] في (م): «ينقر».
[15] في غير (د): «فيها».
[16] في (د) و(ص) و(م): «فقلت».
[17] في (ب): «شوكة».
[18] في (ص): «سراقة».
[19] «به»: ليس في (د).
[20] في (د): «ناصرٌ لكما، وحافظٌ لكما».
[21] في غير (د): «لأن».
[22] في (د): «وأُقيم».