إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر

3499- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ) بضمِّ الخاء وفتح التحتيَّةِ والمدِّ، أي: الكِبْرُ والعُجْبُ (فِي الْفَدَّادِينَ) الذين تعلو أصواتُهم في حروثِهم ومواشيهم (أَهْلِ) البيوتِ المتَّخَذَةِ مِنَ (الْوَبَرِ) قال الخطابيُّ: إنَّما ذمَّ هؤلاء، لاشتغالهم بمعالجة ما [1] هم فيه عن أمور دينهم، وذلك يُفضي إلى قَساوةِ القلب (وَالسَّكِينَةُ) وهي السُّكونُ والوقارُ والتواضع (فِي أَهْلِ الْغَنَمِ) لأنَّهم غالبًا دون أهل الإبل في التوسُّعِ والكَثْرةِ، وهما من سبب الفخر والخُيلاء، وقد قال عليه الصلاة والسلام لأمِّ هانئٍ: «اتَّخِذِي الغنمَ فإنَّ فيها بركة» رواه ابن ماجه (وَالْإِيمَانُ يَمَانٍ) ظاهرُه: نسبةُ الإيمان إلى اليمن، لأنَّ أصلَ «يَمَان»: يَمَنِيّ، فحُذفتْ ياءُ النسب وعُوِّضَ عنها الألف فصار «يمان» وهي اللغةُ الفُصحى، واختُلف في المراد به، فقيل: معناه: نسبةُ الإيمان إلى مكَّةَ، لأنَّه مبتدأٌ منها، ومكَّةُ يمانيةٌ بالنسبة إلى المدينة، أو المراد: مكَّةُ والمدينةُ؛ إذ هما يمانيتان بالنسبة إلى الشام، بناء على أنَّ هذه المقالة صدرت منه صلى الله عليه وسلم وهو بتبوك، أو المراد: أهلُ اليمن على الحقيقة وحمله على الموجودين منهم إذ ذاك، لا كلِّ أهل اليمن في كل زمان، وفي الحديث: «أتاكم أهلُ اليمنِ، هم ألينُ قلوبًا وأرقُّ أفئدةً، الإيمانُ يمانٍ» (وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ) بالتخفيف، وحُكي التشديدُ، و«الحكمةُ»: العلمُ المشتملُ على معرفةِ اللهِ، المصحوبُ بنفاذِ البصيرة، وتهذيبِ النفس، وتحقيقِ الحق والعمل به، والصدِّ عن اتِّباعِ الهوى والباطل، والحكيمُ مَن له ذلك، وقال
ج6ص5
ابنُ دُرَيد: كلُّ كلمةٍ وعظتْكَ أو زجرتْكَ أو دعتْكَ إلى مَكرُمةٍ، أو نهتْكَ عن قبيحٍ فهي حِكمةٌ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) محمَّدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ كأبي عُبيدةَ: (سُمِّيَتِ الْيَمَنُ) يمنًا (لأَنَّهَا عَنْ يَمِينِ الْكَعْبَةِ، وَالشَّأْمُ عَنْ) ولأبي ذر: ((لأنَّها عن)) (يَسَارِ الْكَعْبَةِ) وقال الهَمْدانيُّ في «الأنساب»: لمَّا ظعنتِ العربُ العاربةُ أقبلَ بنو قطن بن عامر فتيامنوا، فقالتِ العربُ: تيامنت بنو قطن فسُمُّوا اليمنَ، وتشاءَمَ الآخرونَ فسُمُّوا شأْمًا، وعن قُطرُب: إنَّما سُمِّيَ اليمنُ ليُمْنهِ، والشأمُ لشؤمِه (وَالْمَشْأَمَةُ) هي (الْمَيْسَرَةُ) قاله أبو عبيدةَ في تفسير: {وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} [الواقعة: 9] وقيل: أصحابُ المشأمةِ أصحابُ النار، لأنَّهم يذهبون بهم إليها، وهي في جهة الشمال (وَالْيَدُ الْيُسْرَى: الشُّؤْمَى) بالهمزة الساكنة (وَالْجَانِبُ الْأَيْسَرُ: الْأَشْأَمُ) بالهمزة [2] المتحركة، وثبتَ قولُه «قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ» لأبي ذرٍّ.
ج6ص6


[1] في غير (د) و(م): «بما».
[2] في غير (د): «الهمزة».