إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا تقوم الساعة حتى يقتتل فتيان فيكون بينهما مقتلة عظيمة

3609- وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثنا)) (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ الأزديُّ مولاهم (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن مُنَبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه [1] (قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِتْيَانٌ) بفاءٍ ففوقيَّةٍ ساكنةٍ فتحتيةٍ، وصوابه كما مرَّ: فِئَتان [2] بهمزةٍ ففوقيَّة مفتوحة (فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ) بفتح الميم مصدرٌ ميميٌّ (عَظِيمَةٌ) أي: قتلٌ عظيمٌ، وعند ابنِ أبي خيثمةَ في «تاريخه»: أنَّه قُتلَ بصِفِّينَ مِنَ الفِئتينِ فئةِ عليٍّ وفئةِ [3] معاويةَ نحوُ سبعينَ ألفًا، وقيل: أكثرُ من
ج6ص56
ذلك، وقيل: كان بينهم أكثرُ مِن سبعين زحفًا [4]، وكان أول قتالهما في غُرَّة صفرٍ، فلمَّا كاد أهلُ الشام أن يُغلبُوا رفعُوا المصاحفَ بمشورةِ عمرِو بن العاص، ودعَوا إلى ما فيها، فآل الأمرُ إلى الحكمَين، فجرى ما جرى مِنِ اختلافهما، واستبداد معاويةَ بمُلك الشام، واشتغالِ عليٍّ بالخوارج (دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ) ويؤخَذُ منه الردُّ على الخوارج ومَن تبعَهم في تكفيرِهم كُلًّا مِنَ الطائفتين (وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ) بضمِّ أوَّلِه وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، يَخرُج ويظهَرَ (دَجَّالُونَ) بفتح الدال المهملة والجيم المشدَّدة، يُقال [5]: دَجَّل فلانٌ الحقَّ بباطله، أي: غطَّاه، ويُطلق على الكذب أيضًا، وحينئذٍ فيكونُ قولُه (كَذَّابُونَ) تأكيدًا (قَرِيبًا) نُصِبَ حالًا مِنَ النكرة الموصوفة (مِنْ ثَلَاثِينَ) نفسًا، وفي «مسلمٍ» من حديث جابر بن سَمُرة: «إنَّ بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا» فجزم بذلك (كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ) بتسويل الشيطانِ لهم ذلك، مع قيام الشوكة لهم، وظهور شُبهة كمسيلمِةَ باليمامةِ، والأسودِ العَنْسيِّ باليمن، وكان ظهورُهما في آخرِ الزمن النبويِّ، فقُتل الثاني قبلَ موتِه صلى الله عليه وسلم، ومسيلِمة في خلافة أبي بكرٍ، وفيها خرجَ [6] طُليحةُ بنُ خُويلدٍ في بني أسد بن خُزيمة، وسَجاحُ التميميَّةُ في بني تميم، ثم تاب طُليحةُ ومات على الإسلام على الصحيح في خلافة عمر، قيل: وتابت المرأة، وفي أوَّلِ خلافة ابن الزبير خرجَ المختارُ بن أبي عُبيدٍ الثقفيُّ فتغلب [7] على الكوفة ثم ادَّعى النبوَّة، وزعم أنَّ جبريل يأتيه، وقُتل في سنة بضع وستين، وفي خلافة عبد الملك بن مروان خرج الحارث فقُتل، ثم خرج في خلافة بني العبَّاس جماعةٌ ادَّعَوا ذلك بسبب ما نشأ لهم عن جنون أو سوداء، وقد أهلك اللهُ تعالى مَن وقع له ذلك منهم، وآخرُهم الدجَّال الأكبر.
ج6ص57


[1] «أنه»: ليس في (د).
[2] «فئتان»: ليس في (ص) و(م).
[3] «فئة»: ليس في (د).
[4] في (ص): «ألفا».
[5] زيد في (ص): «فلان».
[6] في غير (د): «خروج».
[7] في غير (د): «وتغلب».