إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب

3620- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُوالْيَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (حدثَنَا [1] شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزةَ (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) مصغَّرًا، ونسبه لجدِّه، واسمُ أبيه: عبدُ الرحمن النوفليُّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) أي: ابنِ مُطعِمٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ) بكسر اللَّام من اليمامة إلى المدينة النبويَّة (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) أي: زمنه، ولأبوي ذرٍّ والوقت: ((على عهد [2] النبيِّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) سنةَ تسعٍ من الهجرة، وهي سنةُ الوفود (فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ) أي: النبوَّةَ والخلافةَ (مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ، وَقَدِمَهَا) أي: المدينةَ (فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ) ذكر [3] الواقدي أنَّ عدد من كان معه من قومه [4] سبعةَ عشرَ نفسًا، فيُحمَلُ على تعدُّدِ القُدُوم (فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تألُّفًا له ولقومه رجاء إسلامهم، وليبلغه ما أُنزل إليه (وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ) بفتح المعجمة والميم المشدَّدة وبعد الألف سين مهملة، خطيبُه (وَفِي يَدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِطْعَةُ جَرِيدٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ) بكسر اللَّام (فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام له: (لَو سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ) مِنَ الجريدةِ (مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ) بالعين المهملة، أي: لن تجاوز (أَمْرَ اللهِ) حُكْمَه (فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ) عن طاعتي (لَيَعْقِرَنَّكَ اللهُ) بالقاف، ليقتُلنَّك (وَإِنِّي لَأَرَاكَ) بفتح همزة «لَأَرَاكَ»، وفي بعضِها: بضمِّها، أي [5]: لأَظُنُّكَ (الَّذِي أُرِيتُ) بضمِّ الهمزة وكسر الراء في منامي (فِيكَ مَا رَأَيْتُ).
3621- قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما بالسند السابق: (فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه عن تفسير المنام المذكور (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ) بالتثنية (سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ) صفةٌ لهما، ويجوزُ أن تكونَ «مِن» الداخلة على التمييز، وفي «التوضيح» كما نقله العينيُّ: أنَّ السوار لا يكون إلَّا من ذهب، فذُكِرَ الذهبُ للتأكيد، فإن كان مِن فضةٍ، فهو قُلْبٌ، كذا قال، وتبعه في «المصابيح» وعبارته: و«من ذهب» صفةٌ كاشفة، لأنَّ السوار لا يكون إلَّا مِن ذهبٍ... إلى آخره، وقال في «الفتح»: «مِن» لبيان الجنس، كقوله تعالى: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} [الإنسان: 21] وَوَهِمَ مَن قال: الأساور لا تكون إلَّا مِن ذهبٍ... إلى آخره (فَأَهَمَّنِي) فأحزنني (شَأْنُهُمَا) لكون الذهب من حلية النساء، وممَّا حُرِّم على الرجال (فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ) على لسان الملَك أو وحيَ إلهامٍ
ج6ص65
(أَنِ انْفُخْهُمَا) بهمزة وصلٍ وكسر النون للتأكيد وبالجزم [6] على الأمر، وقال الطِّيبيُّ: ويجوز [7] أن [8] تكون مفسِّرةً، لأنَّ «أُوحِيَ [9] متضمِّنٌ معنى القول، وأن تكون ناصبة والجارُّ محذوفٌ (فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا) في ذلك إشارةٌ إلى حقارة أمرِهما، لأنَّ شأن الذي يُنفَخ فيذهبُ بالنفخ أن يكون في غايةِ الحقارة، قاله بعضُهم، وردَّه ابنُ العربيِّ: بأنَّ أمرهما كان في غاية الشِّدَّة، لم يَنزل بالمسلمين قبلَه مثلَه، قال في «الفتح»: وهو كذلك، لكن الإشارة إنَّما هي للحقارة المعنويَّة لا الحسيَّة، وفي طيرانَهَما إشارةٌ إلى اضمحلال أمرهما (فَأَوَّلْتُهُمَا) أي: السوارين (كَذَّابَيْنِ) لأنَّ الكَذِبَ: وَضْعُ الشيءِ في غير موضعِه، ووضع سواري الذهب المنهي عن لبسه في يديه من وضع الشيء في غير موضعه؛ إذ هما مِن حلية النساء، وأيضًا: فالذهب مشتقٌّ مِنَ الذهاب، فعَلم أنَّه شيءٌ يذهب عنه، وتأكَّد ذلك بالأمر له بنفخهما [10] فطارا، فدلَّ ذلك على أنَّه [11] لا يثبت لهما أمر، وأيضًا: يتَّجه في تأويل نفخهما أنَّه [12] قتلهما بريحه، لأنَّه لم يغزُهما [13] بنفسِه، فأمَّا العَنْسيُّ فقتله فيروزُ الصحابيُّ بصنعاءَ في حياتِه صلى الله عليه وسلم في مرضِ موتِهِ على الصحيح، وأمَّا مسيلِمةَ فقتله وحشيٌّ قاتلُ حمزةَ في خلافةِ الصديقِ رضي الله عنه (يَخْرُجَانِ) مِنْ [14] (بَعْدِي) استُشكل: بأنَّهما كانا في زمنه صلى الله عليه وسلم، وأجيب: بأنَّ المراد بخروجِهِما بعدَه [15]: ظهور شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة، نقله الإمام النوويُّ عن العلماء، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظرٌ، لأنَّ ذلك كلَّه ظهر للأسود بصنعاءَ في حياته صلى الله عليه وسلم، فادَّعى النبوَّة، وعظمتْ شوكته، وحارب المسلمين وفتك فيهم، وغلب على البلدان، وآل أمرُه إلى أنْ قُتل في حياته عليه الصلاة والسلام كما مرَّ، وأما مسيلمِةَ فكان ادَّعى النبوَّة في حياته صلى الله عليه وسلم، لكن لم تعظُم شوكتُه، ولم تقع محاربتُه إلَّا في زمن الصديق، فإمَّا أن يُحمل ذلك على التغليب، أو أنَّ المرادَ بقوله: «بعدي» أي: بعد نُبُوَّتي (فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيَّ) بفتح العين المهملة وسكون النون وكسر السين المهملة، من بني عَنْسٍ، وهو الأسود، واسمه: عَبْهلةُ [16] _بعين مهملة مفتوحة فموحدة ساكنة_ ابن كعب، ويقال له: ذو الخمار بالخاء المعجمة، لأنَّه كان يُخَمِّرُ وجهَه (وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةَ) بكسر اللَّام مصغرًا، ابن ثُمامة _بضمِّ المثلَّثة_ ابن كبير _بموحدة_ ابن حبيب بن الحارث، من بني حنيفةَ (الْكَذَّابَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ) بتخفيف الميمين، مدينةٌ باليمن على أربع مراحلَ مِن مكَّةَ، قال في «المفهم»: مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا: أنَّ أهل صنعاءَ وأهلَ اليمامة كانوا أسلموا وكانوا [17] كالساعدين للإسلام، فلمَّا ظهر فيهما الكذابان وتبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة انخدع أكثرُهم بذلك، فكأنَّ اليدان بمنزلة البلدين، والسواران بمنزلة الكذَّابين، وكونِهما مِن ذهبٍ إشارةٌ إلى ما زخرفاه، والزخرفُ مِن أسماء الذهب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦4378]، ومسلمٌ والترمذيُّ والنَّسائيُّ في «الرؤيا».
ج6ص66


[1] في (د): «أخبرنا».
[2] «على عهد»: ليس في (ص) و(م).
[3] في (ب) و(س): «وذكر».
[4] زيد في (د) و(س): «من قومه».
[5] «أي»: ليس في (د).
[6] في (ص) و(م): «أي: بالجزم».
[7] في (ب): «يجوز».
[8] زيد في (س): «أنْ»، وفي (ب): «في أن أن».
[9] في (م): «مفسرة لأوحى».
[10] في (د) و(ص) و(م): «في نفخهما».
[11] في (د): «أنهما».
[12] في غير (د) و(س): «بأنه».
[13] في (ب): «يقربهما».
[14] «مِن»: مثبت من (د).
[15] في (م): «بعد».
[16] في غير (د) ونسخة في هامشها: «عبلة».
[17] «وكانوا»: مثبت من (د) و(س).