إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث أبي هريرة: ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم

3601- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) بنُ عبدِ الله بنِ يحيى (الْأُوَيْسِيُّ) القُرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بنُ سعدِ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) سعيدٍ (وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَتَكُونُ فِتَنٌ) بكسر الفاء وفتح الفوقيَّة، جمع فِتنة، والمراد: الاختلاف الواقع بين أهل الإسلام بسبب افتراقهم على الإمام، ولا يكونُ المُحِقُّ فيها معلومًا، بخلاف زمان عليٍّ ومعاويةَ (الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي) قال النوويُّ: معناه: بيانُ عِظَمِ خَطَرِها، والحثُّ على تجنُّبِها والهرب منها، ومِنَ التسبُّبِ في شيءٍ منها، وإنَّ سببَها وشرَّها وفتنتَها تكون على حسب التعلُّقِ بها (وَمَنْ يُشْرِفْ) بضمِّ الفوقيَّة أو التحتيَّة وسكون المعجمة وكسر الراء وجزم الفاء، مضارعٌ مِنَ «الإشراف» ولأبي ذرٍّ: ((تَشَرَّفَ)) بفتح الفوقية والمعجمة والراء المشددة وفتح الفاء، فعلٌ ماضٍ مِنَ «الشَّرَف» [1] (لَهَا) أي: للفتنة (تَسْتَشْرِفْهُ) بكسر الراء وجزم الفاء. قال التُّورِبشتيُّ: أي: مَن تطلَّع لها دَعَتْهُ إلى الوقوع فيها، والتشرُّف: التطلُّع، واستُعير ههنا للإصابة لشرِّها، أو أُريد أنَّها تَدعوه إلى زيادة النظر إليها، وقيل: إنَّه مِن «استشرفتُ الشيء»: إذا علوتَه، يريد: مَنِ انتصب لها انتصبتْ له وصرعتْه، وقيل: هو مِنَ المخاطرة والإشفاء [2] على الهلاك، أي: مَنْ خاطر بنفسِه فيها أهلكتْه، قال الطِّيبيُّ: لعلَّ الوجه الثالث أَولى لِمَا يظهرُ منه من [3] معنى اللَّام في «لها»، وعليه كلام «الفائق» وهو قولُه: أي: مَنْ غالبَها غلبتْه (وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً) أي: عاصمًا، أي [4]: موضعًا يلتجِئُ إليه ويعتزلُ فيه (أَوْ) قال: (مَعَاذًا) بفتح الميم وبالذال [5] المعجمة، شكٌّ مِنَ الراوي، وهما بمعنًى (فَلْيَعُذْ بِهِ) أي: فليعتزلْ فيه.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «باب تكون فتنةٌ القاعد فيها خير من القائم» من «كتاب الفتن» [خ¦7081]، وأخرجه مسلمٌ أيضًا.
3602- (وَعَنِ ابْنِ
ج6ص53
شِهَابٍ) محمَّدِ بنِ مسلمٍ الزُّهريِّ بالإسناد السابق أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ) بنِ هشامِ بنِ المغيرةِ المخزوميُّ الضريرُ، قيل له: راهبُ قريشٍ لكثرة صلاتِه (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ) التابعيِّ على الصحيح (عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ) الكِنانيِّ الديلميِّ، مِن مُسلمةِ الفتحِ، وتأخَّرت وفاتُه إلى خِلافة يزيدَ بنِ معاوية (مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا) السابق (إِلَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الضريرَ شيخَ الزهريِّ (يَزِيدُ) زيادةً مرسلةً، أو بالسند السابق عن عبد الرحمن بن مطيع... إلى آخرِه، وهي قولُه: (مِنَ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ) هي صلاةُ العصر (مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ) بضمِّ الواو وكسر الفوقيَّة (أَهْلَهُ وَمَالَهُ) نصب فيهما مفعولٌ ثانٍ، أي: نقص هو أهلَه ومالَه وسلبَهما، فبقِيَ بلا أهلٍ ومالٍ، وبرفعهما على أنَّه فعلُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، أي: انتُزِعَ منه الأهلُ والمالُ، والجمهورُ على النصبِ، وإنَّما ذَكَرَ المؤلِّفُ هذه الزيادة استطرادًا، لكونِها وقعتْ في الحديث الذي ساقه في هذا الباب، وإن لم يكن لها تعلُّقٌ به.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.
ج6ص54


[1] في (ب) و(س): «التشرف».
[2] في غير (د): «والأشياء». وهو تحريف.
[3] «من»: ليس في (د).
[4] في (ب) و(س): «أو».
[5] في (م): «الذال».