إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

معلق الأنصاري: أقبل إبراهيم بإسماعيل وأمه عليهم السلام وهي ترضعه

3363- (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: ((وقال)) (الأَنْصَارِيُّ) محمَّد بن عبد الله بن مثنَّى بن عبد الله بن أنسٍ ممَّا وصله أبو نُعَيمْ في «مُستخرَجه»: (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز: (أَمَّا) ولأبي ذرٍّ: ((قال: أمَّا)) (كَثِيرُ بْنُ كَثِيرٍ) _بالمثلَّثة فيهما_ السَّهميُّ (فَحَدَّثَنِي) بالإفراد (قَالَ: إِنِّي) إنَّ واسمها (وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ) عطفٌ على المنصوب، ابن جُبَير بن مطعمٍ القرشيُّ (جُلُوسٌ) أي: جالسان (مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) زاد الأزرقيُّ من طريق مسلم بن خالدٍ الزّنجيِّ والفاكهيُّ من طريق محمَّد بن جُعْشُم، كلاهما عن ابن جريجٍ عن كثير بن كثيرٍ: «بأعلى المسجد ليلًا، فقال سعيد بن جُبَيرٍ: سلوني قبل ألَّا تروني، فسأله القوم فأكثروا، فكان ممَّا سُئِل عنه أن [1] قال له رجلٌ: أحقُّ ما سمعنا في المقام _مقام إبراهيم_ أنَّ إبراهيم حين [2] جاء من الشَّام حلف لامرأته ألَّا ينزل بمكَّة حتَّى يرجع، فقرَّبت إليه امرأة إسماعيل المقام فوضع رجله عليه حتَّى لا ينزل؟» (فَقَالَ) سعيد بن جُبَيرٍ: (مَا هَكَذَا حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ عَبَّاسٍ. قَالَ [3] ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: ((ولكنَّه قال)): (أَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ) هاجر (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) مكَّة (وَهْيَ تُرْضِعُهُ) بضمِّ الفوقيَّة وكسر الضَّاد المعجمة، والواو للحال [4] (مَعَهَا شَنَّةٌ) بفتح المعجمة وتشديد النُّون، قربةٌ يابسةٌ (لَمْ يَرْفَعْهُ) أي: الحديث (ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ) وسقط قوله «ثمَّ جاء بها...» إلى آخره لأبي ذرٍّ وابن عساكر.
3364- قال المؤلِّف بالسَّند: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثنا)) (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ) بفتح السِّين وكسر التاء [5] الفوقيَّة (وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ) بتشديد الطَّاء وكسر اللَّام (ابْنِ أَبِي وَدَاعَةَ) بفتح الواو وتخفيف الدال (_يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ_ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) سقط «ابن جُبيرٍ» لأبي ذرِّ، أنَّه (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ) بكسر الميم وفتح الطَّاء بينهما نونٌ ساكنةٌ، ما تشدُّه المرأة على وَسَطها عند الشُّغل لئلَّا تعثر في ذيلها (مِنْ قِبَلِ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، من جهة (أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا) وذلك أنَّ سارة وهبتها للخليل عليه السلام، فحملت منه بإسماعيل، فلمَّا وضعته غارت، فحلفت لتقطعنَّ منها ثلاثة أعضاءٍ، فاتَّخذت هاجر منطقًا، فشدَّت به وسطها وهربت، وجرَّت ذيلها (لِتُعَفِّيَ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح العين المهملة وتشديد الفاء المكسورة، لتُخفيَ (أَثَرَهَا) وتمحوه (عَلَى سَارَةَ) وقال الكرمانيُّ: معناه: أنَّها تزيَّت بزيِّ الخدم إشعارًا بأنَّها خادمتها، لتستميل خاطرها وتصلح ما فسد، يُقال: عفى على ما كان منه إذا أصلح بعد الفساد. انتهى [6]. وقيل: إنَّ الخليل شفع فيها وقال: حلِّلي يمينك بأن تثقبي أذنيها وتخفضيها، فكانت أوَّل من فعل ذلك، وعند الإسماعيليِّ من رواية ابن عُلَيَّة: أوَّل ما اتَّخذت [7] العرب جرَّ الذُّيول عن أمِّ إسماعيل (ثُمَّ جَاءَ بِهَا) بهاجر (إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ) على
ج5ص352
البراق (وَهْيَ تُرْضِعُهُ) الواو للحال (حَتَّى وَضَعَهُمَا) ولأبي ذر عن الكُشْميهَنيّ: ((فوضعهما)) (عِنْدَ) موضع (الْبَيْتِ) الحرام قبل أن يبنيه (عِنْدَ دَوْحَةٍ) بدالٍ وحاءٍ مفتوحتين مهملتين [8] بينهما واوٌ ساكنةٌ، شجرةٍ عظيمةٍ (فَوْقَ زَمْزَمَ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((فوق الزَّمزم)) (فِي أَعْلَى) مكان (الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ) ولا بناءٌ (وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا) _بكسر الجيم_ من جلدٍ (فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ) بكسر السِّين، قربةً صغيرةً (ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ) بفتح القاف والفاء المشدَّدة، ولَّى راجعًا حال كونه (مُنْطَلِقًا) إلى أهله بالشَّام، وترك إسماعيل وأمَّه عند موضع البيت (فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ) له: (يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا) ولأبي ذرٍّ: ((في هذا)) (الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ) بكسر الهمزة، ضدُّ الجنِّ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: ((أنيسٌ)) (وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا. وَجَعَلَ) إبراهيم (لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟) بمدِّ همزة «الله»، وسقط لأبي ذرٍّ «الَّذي» (قَالَ) إبراهيم: (نَعَمْ) وفي رواية عمر بن شبَّة في «كتاب مكَّة» من طريق عطاء بن السَّائب عن سعيد بن جُبَيرٍ: أنَّها نادته ثلاثًا، فأجابها في الثَّالثة، فقالت له: من أمرك بهذا؟ قال: الله (قَالَتْ: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا) وفي رواية ابن جُريجٍ: «فقالت: حسبي» (ثُمَّ رَجَعَتْ) إلى موضع الكعبة (فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ [9] ) _بالمثلَّثة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة_ بأعلى مكَّة؛ حيث دخل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مكَّة (حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ) أي: موضعه (ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ [10] الْكَلِمَاتِ) ولأبي ذرٍّ: ((بهؤلاء الدَّعوات)) (وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبِّ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: (({رَبَّنَا})) وهو الموافق للتَّنزيل ({إِنِّي أَسْكَنْتُ}) ذرِّيَّةً ({مِنْ ذُرِّيَّتِي}) فالجارَّ صفةٌ لمفعولٍ محذوفٍ، أو{مِنَ} مزيدةٌ عند الأخفش، والمراد بالذُّرِّيَّة: إسماعيل ومن وُلِد منه؛ فإنَّ إسكانه متضمِّنٌ لإسكانهم ({بِوَادٍ}) أي: في وادٍ وهو مكَّة [11] ({غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}) قال في «الكشَّاف»: لا يكون فيه شيءٌ من زرعٍ قطُّ، كقوله: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} بمعنى: لا يوجد فيه اعوجاجٌ، ما فيه إلَّا الاستقامة لا غير. انتهى. قال الطِّيبيُّ: هذه المبالغة يفيدها معنى الكناية، لأنَّ نفي الزَّرع يستلزم كون الوادي غير صالحٍ للزَّرع، ولأنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي ({عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّم}) الَّذي يحرم عنده ما لا يحرم عند غيره، أو حرَّمْتَ [12] التَّعرض له والتَّهاون به، أو لم يزل مُعظَّمًا يهابه كلُّ جبَّارٍ، أو حَرُمَ من الطُّوفان، أي: مُنِعَ منه، كما سُمِّي عتيقًا لأنَّه أُعتِق من الطُّوفان، أو لأنَّه موضع البيت حُرِّم يوم خَلْقِ السَّموات والأرض، وحُفَّ بسبعةٍ [13] من الملائكة (حَتَّى بَلَغَ: {يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] ) أي: تلك النِّعمة. قال في «الكشَّاف»: فأجاب الله تعالى دعوة خليله فحرَّمه [14] فجعله {حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيءٍ} [القصص: 57] رزقًا من لدنه، ثمَّ فضَّله في وجود أصناف الثِّمار [15] فيه على كلِّ ريفٍ، وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثمارًا، وفي أيِّ بلدٍ من بلاد الشَّرق والغرب ترى الأعجوبة الَّتي يريكها الله تعالى بوادٍ غير ذي زرعٍ، وهي اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الرَّبيعيَّة والصَّيفيَّة والخريفيَّة في يومٍ واحدٍ، وليس ذلك من آياته بعجب، أعادنا الله إلى حرمه بمنِّه وكرمه، ووفَّقنا لشكر نعمه، وثبت قوله «{عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ}» في رواية أبي ذَرٍّ.
(وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ [16] ) بكسر الفاء، أي: فرغ (مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا) إسماعيل _بكسر الطَّاء فيهما_ وزاد الفاكهيُّ من حديث أبي جهمٍ: «فانقطع لبنها، وكان إسماعيل حينئذٍ ابن سنتين» (وَجَعَلَتْ) هاجر (تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى) يتقلَّب ظهرًا لبطنٍ (_أَو قَالَ [17]: يَتَلَبَّطُ_) بالموحَّدة المشدَّدة بعد اللَّام آخره طاءٌ مهملةٌ، أي: يتمرَّغ ويضرب بنفسه على الأرض، من لُبِط به، إذا صُرِع. وقال الدَّاوديُّ: يحرِّك لسانه وشفتيه كأنَّه يموت، وللكُشميهنيِّ: ((يتلمَّظ)) بميمٍ وظاءٍ معجمةٍ بدل الموحَّدة والمهملة (فَانْطَلَقَتْ) هاجر حال كون انطلاقها (كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ) في هذه الحالة الصَّعبة (فَوَجَدَتِ الصَّفَا) بالقصر (أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ [18]، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ) حال كونها (تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أحدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا) بفتح الموحَّدة من «هبطت». وعند الفاكهيِّ
ج5ص353
من حديث أبي جهمٍ أيضًا [19]: «تستغيث ربَّها وتدعوه» (حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا) بفتح الطَّاء والرَّاء، و«دِرْعها» بكسر الدَّال وسكون الرَّاء، أي: قميصها، لئلَّا تعثر في ذيله (ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ) أي: الَّذي أصابه الجَهْد؛ وهو الأمر المُشِقُّ [20] (حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ) ولأبي ذرٍّ: ((فنظرت)) بالفاء بدل الواو (هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ).
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ) بسكون العين وجرِّ «النَّاسِ» ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((فلذلك سعى النَّاس)) (بَيْنَهُمَا) بين الصَّفا والمروة (فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: صَهٍ) بفتح الصَّاد وكسر الهاء مُنوَّنةً في الفرع، وفي بعض الأصول: بسكونها، أي: اسكتي (تُرِيدَ: نَفْسَهَا) لتسمع [21] ما فيه فرجٌ لها (ثُمَّ تَسَمَّعَتْ) أي: تكلَّفت السَّماع واجتهدت فيه (فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ) بفتح التَّاء (إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ) أي: فأغثني، فجزاء الشَّرط محذوفٌ. و«غِوَاثٌ» بكسر الغين المعجمة وفتح الواو مُخَفَّفة وبعد الألف مُثلَّثةٌ، كذا في الفرع وأصله، وفيه لأبي ذرٍّ: ((غُواثٌ)) بضمِّ الغين. وقال الحافظ ابن حجرٍ: «غَوَاثٌ» بفتحها [22] للأكثر، وقال في «المصابيح»: وبذلك قيَّده ابن الخشَّاب وغيره من أئمَّة اللُّغة. وقال في «الصِّحاح»: غوَّث الرَّجل، إذا [23] قال: واغوثاه، والاسم: الغَوثُ والغُواث والغَواث [24]. قال الفرَّاء: يُقال: أجاب الله دعاءه وغُواثه وغَواثه [25]، قال: ولم يأت في الأصوات [26] شيءٌ بالفتح غيره، وإنَّما يأتي بالضَّمِّ، مثل: البكاء والدُّعاء، وبالكسر، مثل: النِّداء والصِّياح، قال الشَّاعر: [من الوافر]
~بعثتُك مائرًا فلبثتَ حَوْلًا متى يأتي غُواثُك مَنْ تُغيث
وقال في «القاموس»: والاسم [27]: الغَوث والغُواث بالضَّمِّ، وفتحه شاذٌّ، واستغاثني فأغثته إغاثةً ومغوثةً، والاسم: الغِياث بالكسر (فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ) جبريل (عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ) بالمثلَّثة (بِعَقِبِهِ) أي: حفر بمُؤخَّر رجله، قال السُّهيليُّ: في تفجيره إيَّاها بالعقب دون أن يفجِّرها باليد أو غيرها إشارةٌ إلى أنَّها لعقب إسماعيل وراثةً، وهو محمَّدٌ وأمَّته، كما قال تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزُّخرف: 28] أي: في أمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم (أَو قَالَ: بِجَنَاحِهِ) شكٌّ من الرَّاوي (حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ) هاجر (تُحَوِّضُهُ) بالحاء المهملة المفتوحة والواو المشدَّدة المكسورة وبالضَّاد المعجمة، أي: تصيِّره كالحوض لئلَّا يذهب الماء (وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا) هو حكاية فعلها، وهو من إطلاق القول على الفعل (وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهْو يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ) أي: ينبع، كقوله تعالى: {وَفَارَ التَّنُّورُ} [هودٌ: 40].
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) بالسَّند السَّابق: (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَو تَرَكَتْ زَمْزَمَ _أَوقَالَ: لَو لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ_) شكٌّ من الرَّاوي (لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا) بفتح الميم، جاريًا على وجه الأرض، لأنَّها لمَّا داخلها كسب هاجر قصرت على ذلك (قَالَ: فَشَرِبَتْ) هاجر (وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ) أي: جبريل: (لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ) بفتح الضَّاد المعجمة وسكون التَّحتيَّة، الهلاك، وعبَّر بالجمع على القول بأنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو هما وذرِّيَّة إسماعيل، أو أعمُّ. وفي حديث أبي جهمٍ: «لا تخافي أن ينفد الماء» وعند الفاكهيِّ من رواية عليِّ بن الوازع عن أيُّوب: «لا تخافي على أهل هذا الوادي ظمأً، فإنَّها عينٌ يشرب منها [28] ضيفان الله» (فَإِنَّ هَهُنَا بَيْتَ اللهِ) بنصب «بيت» [29] اسم «إنَّ»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((هذا بيت الله)) (يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ) بحذف ضمير المفعول، وعند الإسماعيليِّ [30]: «يبنيه» بإثباته (وَإِنَّ اللهَ لَا يُضَيِّعُ أَهْلَهُ) بضمِّ التَّحتيَّة الأولى وكسر الثَّانية مُشدَّدةً بينهما معجمةٌ مفتوحةٌ (وَكَانَ الْبَيْتُ) الحرام (مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ) بالرَّاء وبعد الألف مُوحَّدةٌ ثمَّ تحتيَّةٌ، ما ارتفع من الأرض. وعند ابن إسحاق: أنَّه كان مدرةً حمراء (تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ) هاجر (كَذَلِكَ) تشرب وترضع ولدها، ولعلَّها كانت تغتذي بماء زمزم فيكفيها عن الطَّعام والشَّراب (حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ) بضمِّ الرَّاء، جماعةٌ مختلطون (مِنْ جُرْهُمَ) بضمِّ الجيم والهاء بينهما راءٌ ساكنةٌ، غير منصرفٍ
ج5ص354
حيٍّ من اليمن، وكانت جُرْهُمَ يومئذٍ قريبًا من مكَّة (أَو أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ) حال كونهم (مُقْبِلِينَ) متوجِّهين (مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ) بفتح الكاف ممدودًا. قال في «الفتح»: وهو في جميع الرِّوايات كذلك، وهو أعلى مكَّة. نعم في رواية ابن عساكر _كما في «اليونينيَّة»_: ((كُدَى [31] ) ) بضمِّ الكاف والقصر من غير تنوين [32]، ولعلَّ الحافظ ابن حجرٍ لم يقف عليها (فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا) بالعين المهملة والفاء، وهو الَّذي يتردَّد على الماء ويحوم حوله ولا يمضي عنه (فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا) بلامٍ مفتوحةٍ للتَّأكيد (بِهَذَا الْوَادِي) ظرفٌ مستقرٌّ لا لغوٌ (وَمَا فِيهِ مَاءٌ) الواو للحال (فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا) بجيمٍ مفتوحةٍ وراءٍ مكسورةٍ فتحتيَّةٍ مشدَّدةٍ، رسولًا واحدًا، لينظر هل هناك ماءٌ أم لا؟ (أَو جَرِيَّيْنِ) رسولين اثنين، وسُمِّي الرَّسول جَرِيًّا، لأنَّه يجري مجرى مرسله، أو يجري مسرعًا في حاجته، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَإِذَا هُمْ) الجَرِيُّ أو الجَرِيَّان ومن تبعهما (بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا) إلى جُرْهُمَ (فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ، فَأَقْبَلُوا) إلى جهة الماء (قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ) كائنةٌ (عِنْدَ الْمَاءِ، فَقَالُوا) لها: (أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ) ولأبي ذرٍّ: ((قالت)): (نَعَمْ) أذنتُ لكم في النُّزول (وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ. فقَالُوا [33]: نَعَمْ) لا حقَّ لنا فيه.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) بالسَّند السَّابق: (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَلْفَى) بهمزةٍ مفتوحةٍ وسكون اللَّام وفتح الفاء، أي: وجد (ذَلِكَ) الحيُّ الجرهميُّ (أُمَّ إِسْمَاعِيلَ) بنصب «أمٍّ» مفعول «ألفى [34]» كما قرَّره في «الكواكب». وقال في العمدة: فاعلُ «فألفى» قولُه: «ذلك»، و«أمَّ إسماعيل» مفعوله، و«ذلك» إشارةٌ إلى استئذان جُرْهُمَ، والمعنى: فأتى [35] استئذان جُرْهُمَ بالنُّزول أمَّ إسماعيل (وَهْيَ) أي: والحال أنَّها (تُحِبُّ الأُنْسَ) بضمِّ الهمزة، ضدُّ الوحشة، ويجوز كسرها، وهو الَّذي في الفرع كأصله أي: تحبُّ جنسها (فَنَزَلُوا) عندها (وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَنَزَلُوا مَعَهُمْ) بمكَّة (حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الْغُلَامُ) إسماعيل بين وِلدان جُرْهُمَ (وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ) ظاهره يعارض [36] حديث ابن عبَّاسٍ المرويِّ في «مُستدرَك الحاكم»: «أوَّل من نطق بالعربيَّة إسماعيل» وأُجيبَ: بأنَّ المعنى: أوَّل من تكلَّم بالعربيَّة من ولد إبراهيم إسماعيلُ، وروى الزُّبير بن بكَّارٍ في «النَّسب» من حديث عليٍّ بإسناد حسنٍ: «أوَّل من فتق الله لسانه بالعربيَّة المبينة إسماعيل» قال في «الفتح»: وبهذا القيد يُجمَع بين الخبرين، فتكون أوَّليته في ذلك بحسب الزِّيادة في البيان، لا الأوَّلية المطلقة، فيكون بعد تعلُّمه أصل العربيَّة من جُرْهُمَ ألهمه الله العربيَّة الفصيحة المبينة فنطق بها، قال: ويشهد لهذا ما حكى ابن هشامٍ عن الشَّرْقيِّ بن قطاميٍّ: أنَّ عربيَّة إسماعيل كانت أفصح من عربيَّة يعرب بن قحطان وبقايا حِمْير وجُرْهُم (وَأَنْفَسَهُمْ) بفتح الفاء والسِّين، عطفٌ على «تعلَّم» أي: رغَّبهم فيه وفي مصاهرته. يُقال: أنفسني فلانٌ في كذا، أي: رغَّبني فيه، وقال في «المصابيح»: أي [37]: صار نفيسًا فيهم رفيعًا يُتنافَس في الوصول إليه، ويرغبون فيه وفي مصاهرته [38]. وقوله في «الفتح»: «وأنفسَهم، بفتح الفاء بلفظ «أفعل» التَّفضيل، من النَّفاسة»، تعقَّبه في «العمدة» فقال: إنَّه غلطٌ، وليس هو إلَّا فعلًا ماضيًا من الإنفاس، والفاعل فيه «إسماعيل» (وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ) الحلم (زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ) اسمها عمارة بنت سعد بن أسامة فيما قاله ابن إسحاق، أو هي الجداء بنت سعدٍ فيما قاله السُّهيليُّ والمسعوديُّ، أو حيي [39] بنت أسعد [40] بن عملق فيما قاله عمر بن شبَّة (وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ) قيل: ولها من العمر تسعون [41] سنةً، ودفنها بالحِجْر (فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ) عليه الصلاة والسلام (بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ) بكسر الرَّاء، أي: يتفقَّد حال ما تركه هناك، واستدلَّ بعضهم بهذا على أنَّ الذَّبيح إسحاق، محتجًّا بأنَّ إبراهيم ترك إسماعيل رضيعًا وعاد إليه وقد تزوَّج، لأنَّ الذَّبح كان في الصغر في حياة أمِّه قبل تزوُّجه، فلو كان إسماعيل الذَّبيح، لذكره بين زمان الرِّضاع والتَّزويج. وأُجيب: بأنَّه ليس في الحديث نفي [42] مجيئه بين الزَّمانين، وفي حديث أبي جهمٍ: «أنَّ إبراهيم كان يزور هاجر كلَّ شهرٍ على البراق، يغدو غدوة فيأتي مكَّة، ثمَّ يرجع فيقيل في منزله بالشَّام [43]» (فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا) أي:
ج5ص355
يطلب لنا الرِّزق (ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ) له [44]: (نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ) إبراهيم عليه السلام لها: (فإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ) إسماعيل (فَاقْرَئِي) بفتح الرَّاء (عَلَيْهِ السَّلَامَ) ولأبي ذَرٍّ: ((اقرئي)) بحذف الفاء (وَقُولِي لَهُ: يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ) بفتح العين المهملة والفوقيَّة والموحَّدة، كنايةً عن المرأة (فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا) بفتح الهمزة الممدودة والنُّون، وفي روايةٍ «فلمَّا جاء إسماعيل وجد ريح أبيه» (فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية عطاء بن السَّائب عند عمر بن شبَّة: «كالمستخفَّة بشأنه» (فَسَأَلَنَا عَنْكَ) بفتح اللَّام (فَأَخْبَرْتُهُ) أنَّك خرجت تبتغي لنا (وَسَأَلَنِي: كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا [45] فِي جَهْدٍ) بفتح الجيم (وَشِدَّةٍ، قَالَ) إسماعيل: (فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ) لك: (غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكِ) بكسر الكاف (أَبِي) إبراهيم (وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ) بفتح الحاء المهملة (فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ) أي: من جُرْهُمَ (أُخْرَى) اسمها سامة [46] بنت مهلهل فيما قاله المسعوديُّ تبعًا للواقديِّ، أو بَشَامةُ _بموحَّدةٍ فمُعجَمةٍ مخفَّفةٍ_ بنت مهلهل بن سعد بن عوفٍ، أو عاتكة، وعن ابن إسحاق فيما حكاه ابن سعدٍ: رعلة بنت مضاض بن عمرٍو الجرهميَّة، وقيل غير ذلك (فَلَبِثَ) بكسر الموحَّدة (عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ) أي: لم يجد إسماعيل (فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا) الرِّزق (قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ) بفتح المهملة (وَأَثْنَتْ عَلَى اللهِ) عَزَّ وَجَلَّ خيرًا بما هو أهله (فَقَالَ) لها: (مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّحْمُ. قَالَ فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ: الْمَاءُ) وزاد في حديث أبي الجهم: «اللَّبن» (قَالَ) إبراهيم: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ) حنطةٌ أو نحوها (وَلَوكَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ، قَالَ: فَهُمَا) أي: اللَّحم والماء (لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا) بالخاء المعجمة، وللكُشميهنيِّ_ كما في «الفتح»_: ((لا يخلوان)) بالتَّثنية، وقال ابن القُطويَّة [47]: خلوت بالشَّيء واختليت به [48]، إذا لم أخلط به غيره، ويُقال: خلَّى الرَّجل اللَّبن، إذا شرب غيره. وقال الكرمانيُّ: أي [49]: لا يعتمدهما (أَحَدٌ) ويداوم عليهما (بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ) لما ينشأ عنهما من انحراف المزاج، إلَّا في مكَّة فإنَّهما يوافقانه، وهذا من جملة بركاتها وأثر دعاء الخليل عليه السلام. وفي حديث أبي جهمٍ: «ليس أحدٌ يخلو على اللَّحم والماء بغير مكَّة إلَّا اشتكى بطنه» وزاد في حديثه: «فقالت له: انزل _رحمك الله_ فاطعم واشرب. قال: إنِّي لا أستطيع النُّزول. قالت: فإنِّي أراك شعثًا، أفلا أغسل رأسك وأدهنه؟ قال: بلى إن شئتِ، فجاءته بالمقام وهو يومئذٍ أبيض مثل المهاة، وكان [50] في بيت إسماعيل ملقًى، فوضع قدمه اليمنى وقدَّم إليها شقَّ رأسه وهو على دابَّته، فغسلت شقَّ رأسه الأيمن، فلمَّا فرغ حوَّلت له المقام حتَّى وضع قَدَمه اليسرى وقدَّم إليها برأسه، فغسلت شق رأسه الأيسر، فالأثر الَّذي في المقام من ذلك ظاهرٌ فيه موضع العقب والإصبع» (قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ) ثمَّ مضى إبراهيم (فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ) خيرًا (فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي: كَيْفَ عَيْشُنَا [51] فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ) وسَعَةٍ (قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. هُو يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ) زاد أبو جهمٍ في حديثه: «فإنَّها صلاح المنزل» (قَالَ) إسماعيل لها: (ذَاكِ أَبِي) بكسر الكاف (وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ) زاد أبو جهمٍ: «ولقد كنت عليَّ كريمةً، ولقد ازددت عليَّ كرامةً، فولدت لإسماعيل عشرة ذكورٍ» (ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ) إبراهيم (مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ جَاءَ) إليهم (بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي) بفتح التَّحتيَّة وسكون الموحَّدة وكسر الرَّاء من غير همزٍ (نَبْلًا لَهُ) بفتح النُّون وسكون الموحَّدة، أي: سهمًا قبل أن يُركَّب فيه [52] نصله وريشه، وهو السَّهم العربيُّ (تَحْتَ دَوْحَةٍ) بفتح الدَّال والحاء المهملتين بينهما واوٌ ساكنةٌ، شجرةٍ، وهي الَّتي نزل [53] إسماعيل وأمُّه تحتها أوَّل ما قدما مكَّة _كما مرَّ_ (قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ،
ج5ص356
فَلَمَّا رَآهُ) إسماعيل (قَامَ إِلَيْهِ، فصنع [54] كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ [55] ) من الاعتناق والمصافحة وتقبيل اليد ونحو ذلك. وفي رواية مَعْمَرٍ «قال: سمعت رجلًا يقول: بكيا حتَّى أجابهما الطَّير» (ثُمَّ قَالَ) إبراهيم عليه السلام: (يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللهَ) عَزَّ وَجَلَّ (أَمَرَنِي بِأَمْرٍ. قَالَ) إسماعيل: (فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ) به (رَبُّكَ. قَالَ: وَتُعِينُنِي) عليه؟ (قَالَ: وَأُعِينُكَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((فأعينك)) (قَالَ) إبراهيم: (فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَهُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ) بفتح الهمزة والكاف والميم، إلى رابيةٍ (مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا) إبراهيم وإسماعيل، ولأبي ذرٍّ: ((رفع)) بالإفراد، أي: إبراهيم (الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) جمع قاعدةٍ وهي الأساس، صفةٌ غالبةٌ من القعود بمعنى: الثَّبات، ورفعُها: البناءُ عليها، فإنَّه ينقلها عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع (فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ) زاد أبو جهمٍ: «وجعل طوله في السَّماء تسعة أذرعٍ، وعرضه في الأرض _يعني: دوره_ ثلاثين ذراعًا»، كان ذلك بذراعهم (جَاءَ) أي: إسماعيل (بِهَذَا الْحَجَرِ) حجر المقام (فَوَضَعَهُ لَهُ) للخليل (فَقَامَ عَلَيْهِ وَهْو يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ}) لدعائنا ({الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] ) ببنائنا [56] (قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ، وَهُمَا يَقُولَانِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}) وقد قيل: ليس في العالم بناءٌ أشرف من الكعبة لأنَّ الآمر بعمارته ربُّ العالمين، والمبلِّغ والمهندس جبريل الأمين، والباني هو الخليل، والتَّلميذ المعين إسماعيل.
ج5ص357


[1] «أن»: ليس في (د).
[2] في (م): «لمَّا».
[3] «قال»: سقط من (ص).
[4] في (د): «والراء والحال» وهو تصحيف.
[5] «التاء»: مثبتٌ من (د).
[6] «انتهى»: ليس في (ب).
[7] في (د): «أخذت».
[8] «مهملتين»: ليس في (د).
[9] في (ص): «بالثَّنيَّة».
[10] في (د): «بهذه».
[11] في (د): «وادي مكَّة».
[12] في (ص): «حرَّم».
[13] في (د): «بسبعٍ».
[14] «فحرَّمه»: مثبتٌ من (د).
[15] «الثمار»: ليس في (ص).
[16] في (د): «نفد».
[17] في (د) و(م): «قالت»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[18] في (ص): «إليه».
[19] «أيضًا»: مثبتٌ من (م).
[20] في (ب) و(س): «الشَّاقُّ».
[21] في (د): «تسمع».
[22] في (د): «بفتحات».
[23] «إذا»: ليس في (د).
[24] «والغواث»: ليس في (د).
[25] «وغواثه»: ليس في (د) و(م).
[26] في (ص): «الأصول».
[27] «والاسم»: ليس في (د).
[28] في (س) و(ص): «بها»، وكذا في «أخبار مكَّة».
[29] زيد في (م): «اسم الجلالة».
[30] في (م): «ولابن عساكر» والمثبت موافقُ لِمَا في «الفتح» (6/463).
[31] «كُدى»: ليست في (ب) و(م).
[32] «من غير تنوينٍ»: مثبتٌ من (م).
[33] في (د): «قالوا».
[34] في (ب): «ألفى».
[35] في الأصول الخطية: «الحيِّ» وهو وهم، والتصويب من (ب).
[36] في (د): «معارض».
[37] في (م): «أن».
[38] «ويرغبون فيه وفي مصاهرته»: مثبتٌ من (س) و(ص).
[39] في (د) و(م): «هي».
[40] في (م): «سعد».
[41] في (ل): «تسعين».
[42] في (د): «ما ينفي».
[43] في (د): «في الشَّام».
[44] «له»: ليس في (د).
[45] زيد في (د): «الرزق».
[46] في (د): «شامة»، وفي غير (س): «أسامة» والمثبت موافقُ لما في «الفتح» (6/466).
[47] الصواب: «ابن القوطية».
[48] «به»: ليس في (د) و(ص).
[49] «أي»: ليس في (د).
[50] زيد في (د): «يومئذ»، وهو تكرار.
[51] قوله: «فأخبرته... عيشنا» سقط من (م).
[52] «فيه»: ليس في (م).
[53] زيد في (م): «إليها».
[54] في (د): «فصنعا»، وكذا في «اليونينيَّة».
[55] في (د): «الولد بالوالد والوالد بالولد».
[56] في (د): «بنيَّتنا».