إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: خير نسائها مريم ابنة عمران وخير نسائها خديجة

3432- وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثنا)) (أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) _بالجيم_ عبد الله ابن أيُّوب الحنفيُّ الهرويُّ قال: (حَدَّثَنَا النَّضْرُ) بالضَّاد المعجمة ابن شُمَيلٍ (عَنْ هِشَامٍ) أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ) أي [1]: ابن أبي طالبٍ (قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: خَيْرُ نِسَائِهَا) أي: خير نساء أهل الدُّنيا في زمانها (مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ) وليس المراد أنَّ مريم خير نسائها، لأنَّه يصير كقولهم: يوسف أحسن إخوته، وقد صرَّحوا بمنعه لأنَّ «أفعل» التَّفضيل إذا أُضيف وقُصِد به الزِّيادة على من أُضيف له اشتُرِط أن يكون منهم، مثل: زيدٌ أفضل النَّاس، فإن لم يكن منهم فلا يجوز، كما في: يوسف أحسن إخوته؛ لخروجه عنهم بإضافتهم إليه. وقال الزَّركشيُّ: في قوله هنا: «خير» فيه وجهان. أحدهما: أن يجعل «خير» بمعنى: الخير لا على جهة التَّفضيل [2]، وثانيهما _ وهو الأصحُّ_: أنَّ الضَّمير راجعٌ إلى الدُّنيا [3]؛ كما في: زيدٌ أفضل أهل الدُّنيا، ويجوز
ج5ص407
أن يكون على تقدير مضافٍ محذوفٍ أي: خير نساء زمانها مريم، فيعود الضَّمير على مريم، وإنَّما جاز أن يرجع الضَّمير للدُّنيا وإن لم يجرِ لها ذكرٌ، لأنَّه يفسِّره الحال والمشاهدة. وقد رواه النَّسائيُّ من حديث ابن عبَّاسٍ بلفظ: «أفضل نساء أهل الجنَّة» وحينئذٍ فالمعنى: خير نساء أهل الجنَّة مريم، وفي روايةٍ: «خير نساء العالمين» وهو كقوله تعالى: {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42] وظاهره: أنَّها أفضل من جميع النِّساء، وقول من قال: «على عالمي زمانها» تركٌ للظَّاهر. قال القرطبيُّ: خصَّ الله تعالى مريم بما لم يؤته أحدًا من النِّساء؛ وذلك أنَّ روح القدس كلَّمها [4] وطهَّرها ونفخ في درعها، وليس هذا [5] لأحدٍ من النِّساء، وصدَّقت بكلمات ربِّها وكتبه [6]، ولم تسأل آيةً عندما بُشِّرت كما سأل زكريَّا عليه السلام عن [7] الآية، ولذلك سمَّاها الله تعالى صدِّيقةً، فقال: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التَّحريم: 12] فشهد لها بالصِّدِّيقيَّة والتَّصديق والقنوت، ويحتمل أن يكون المراد _كما قال الكرمانيُّ_: نساء بني إسرائيل، أو «من» فيه مضمرةٌ، كما قال القاضي عياضٌ (وَخَيْرُ نِسَائِهَا) أي: هذه الأمَّة (خَدِيجَةُ) أمُّ المؤمنين.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «فضل خديجة» [خ¦3815]، ومسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ في «المناقب».
قال القاضي أبو بكر بن العربيِّ: خديجة أفضل نساء الأمَّة مطلقًا بهذا الحديث، وقد تقدَّم في أواخر «قصَّة موسى» [خ¦3411] حديث أبي موسى في ذكر مريم وآسية، وهو يقتضي فضلهما على غيرهما من النِّساء، ودلَّ هذا الحديث على أنَّ مريم أفضل من آسية، وأنَّ خديجة أفضل من نساء هذه الأمَّة، فكأنَّه لم يتعرَّض في الحديث الأوَّل لنساء هذه الأمَّة، حيث قال: «ولم يكمل من النِّساء» أي: من نساء الأمم الماضية، إلَّا إن حملنا الكمال على النُّبوَّة فيكون على إطلاقه. انتهى. ابن حجرٍ [8].
ج5ص408


[1] «أي»: مثبتٌ من (ب) و(ص).
[2] في غير (س) و(ص) و(ل): «يجعل «خير» لا بمعنى التَّفضيل»، والمثبت موافقٌ لما في «الفتح» (2/742).
[3] في (د): «للدُّنيا».
[4] في (س): «كمَّلها» ولعلَّه تحريفٌ.
[5] «هذا»: ليس في (ب).
[6] «وكتبه»: مثبتٌ من (م).
[7] في غير (ب) و(س): «من».
[8] قوله: «قال القاضي أبو بكر بن العربيِّ... على إطلاقه. انتهى. ابن حجرٍ» مثبتٌ من (م).