إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {وأيوب إذ نادى ربه أني مسنى الضر}

(20) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَأَيُّوبَ}) أي: واذكر أيُّوب ({إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي}) أي: بأنِّي ({مَسَّنِيَ الضُّرُّ}) المرض في بدني ({وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] ) أَلْطَفَ [1] في [2] السُّؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرَّحمة، وذكر ربَّه بغاية الرحمة، واكتفى بذلك عن غرض الطَّلب، وكان روميًّا من ولد عِيصَ بن إسحاقَ، استنبأه الله وكثر أهله وماله، فابتلاه الله بهلاك أولاده [3] بهدم بيتٍ [4] عليهم، وذهاب أمواله، والمرض في بدنه، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أَلْيَاتِ الغنم في سائر بدنه، ولم يبق منه سليمٌ سوى قلبه ولسانه يذكر بهما الله عَزَّ وَجَلَّ، ووقعت فيه حكَّةٌ لا يملكها، فكان يحكُّ بأظفاره حتَّى سقطت كلُّها، ثمَّ حكَّ بالمسوح الخشنة حتَّى قطعها، ثمَّ بالفخَّار والحجارة الخشنة حتَّى تقطَّع لحمه وتساقط، حتى لم يبق إلَّا العظام والعصب، وتغيَّر وأنتن فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كُنَاسةٍ [5]، ورفضه النَّاسُ كلُّهم
ج5ص372
إلَّا امرأته رحمة بنت إفراثيم بن يوسف، فكانت تُصْلِح أموره وتختلف إليه بما يصلحه، وهو في كلِّ ذلك صابرٌ يحمد الله ويحسن الثَّناء عليه، ولذا كان عبرةً للصَّابرين، وذكرى للعابدين، ومكث في ذلك ثماني عشرة أو ثلاث عشرة سنةً، أو سبعًا وسبعة أشهر وسبع ساعاتٍ، ويُروَى أنَّ امرأته قالت له يومًا: لو دعوت الله؟! فقال: كم كانت مدَّة الرَّخاء؟ فقالت: ثمانين سنةً، فقال: أستحيي [6] من الله أن أدعوه وما بلغت مدَّة بلائي مدَّة رخائي، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «أنِّي مسَّنَي الضُّرُّ...» إلى آخره، وقال بعد قوله: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ} [ص: 41]: ((الآية)).
({ارْكُض} [ص: 42] ) أي: (اضْرِبْ) برجلك الأرض، فضربها فنبعت عين ماءٍ [7]، فاغتسل منها، فرجع صحيحًا ({يَرْكُضُونَ} [الأنبياء: 12] ) أي: (يَعْدُونَ) بفتح الياء وسكون العين المهملة.
ج5ص373


[1] في (د): «لطف».
[2] «في»: ليس في (م).
[3] في (د): «أهله»، وفي هامش (م): (في نسخة: أهله).
[4] في (د1) و(م): «بيته».
[5] هذه كلها من الإسرائيليات وفيها عجائب باطلة، والله تعالى أعلم.
[6] في (د): «استحي».
[7] «ماء»: مثبت من (م).