إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا

3426- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن هرمز الأعرج أنَّه (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ) بفتح الميم فيهما، أي: مَثَل دعائي النَّاس إلى الإسلام المنقذ لهم من النَّار، ومثل ما زيَّنتْ لهم أنفسهم من التَّمادي على الباطل (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا) وهي جوهرٌ لطيفٌ مضيءٌ حارٌّ محرقٌ (فَجَعَلَ الْفَرَاشُ) بفتح الفاء، دوابٌّ مثل البعوض، واحدتها [1]: فراشةٌ (وَهَذِهِ الدَّوَابُّ) جمع دابَّةٍ، كالبرغش والبعوض والجندب ونحوها (تَقَعُ فِي النَّارِ) خبر «جعل» لأنَّها من أفعال المقاربة تعمل عمل «كان» والفراشة: هي الَّتي تطير وتتهافت في السِّراج بسبب ضعف بصرها، فهي بسبب ذلك تطلب ضوء النَّهار، فإذا رأت السِّراج باللَّيل ظنَّت أنَّها في بيتٍ مظلمٍ، وأنَّ السِّراج كوَّةٌ في البيت المظلم إلى الموضع [2] المضيء، ولا تزال تطلب الضَّوء وترمي بنفسها إلى الكوَّة، فإذا جاوزتها ورأت الظَّلام [3] ظنَّت أنَّها لم تصب الكوَّة ولم تقصدها على السَّداد، فتعود إليها مرَّةً أخرى حتَّى تحترق. قال الغزاليُّ: ولعلَّك تظنُّ أنَّ هذا لنقصانها وجهلها، فاعلم أنَّ جهل الإنسان أعظم من جهلها، بل صورة [4] الإنسان في الإكباب [5] على الشَّهوات صورة الفَراش في التهافت على النار [6] في التَّهافت، فلا يزال يرمي بنفسه [7] فيها إلى أن ينغمس فيها ويهلك هلاكًا مُؤبَّدًا، فليت جهل الآدميِّ كان [8] كجهل الفراش، فإنَّها باغترارها بظاهر الضَّوء إن [9] احترقت تخلَّصت في الحال، والآدميُّ يبقى في النَّار أبد الآباد، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّكم تتهافتون في النَّار تهافت الفراش، وأنا آخذٌ بحجزكم» وقال تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} [القارعة: 4] فشبَّههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضَّعف والذِّلَّة، والتَّطاير إلى الدَّاعي من كلِّ جانبٍ كما يتطاير الفراش.
3427- (وَقَالَ) أي: أبو هريرة، فهو موقوفٌ، أو النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فهو مرفوعٌ، كما عند الطَّبرانيِّ والنَّسائيِّ (كَانَتِ امْرَأَتَانِ) لم تُسمَّيا (مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا) لم يُسمَّيا أيضًا (جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بابنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ) الذِّئب (بابنِكِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بابنِكِ، فَتَحَاكَمَا) كذا [10] في الفرع، وللكشميهنيِّ _كما في «الفتح» وهي الَّتي في «اليونينيَّة»_: ((فتحاكمتا)) (إِلَى دَاوُدَ) عليه السلام (فَقَضَى بِهِ) بالولد الباقي (لِلْكُبْرَى) للمرأة الكبرى منهما لكونه كان في يدها، وعجزت الأخرى عن إقامة البيِّنة (فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ) بالقصَّة (فَقَالَ) قاصدًا استكشاف الأمر: (ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ) بكسر السِّين (أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى) منهما له: (لَا تَفْعَلْ) ذلك (يَرْحَمُكَ اللهُ، هُو ابْنُهَا، فَقَضَى) سليمان (بِهِ لِلصُّغْرَى) لِمَا رآه من جزعها الدَّالِّ على عظيم شفقتها، ولم يلتفت إلى إقرارها أنَّه ابن الكبرى، لأنَّه علم أنَّها آثرت حياته، بخلاف الكبرى (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) بالإسناد السَّابق: (وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة وسكون النُّون، كلمة نفيٍ، أي: ما (سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا: الْمدْيَةُ) بضمِّ الميم، ويجوز فتحها وكسرها. وقيل للسِّكِّين: مديةٌ، لأنَّها تقطع مدى [11] حياة الحيوان، والسِّكِّين، لأنَّها تسكِّن حركته.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الفرائض» [خ¦6769] والنَّسائيُّ في «القضاء».
ج5ص403


[1] في (د) و(ص): «واحدها».
[2] في (د) و(م): «البيت».
[3] في (د) و(م): «الظُّلمة».
[4] في (د): «ضرورة ضرر»، وفي (م): «ذروة»، ولعلَّه تحريفٌ.
[5] في (د) و(م): «الانكباب».
[6] قوله: «صورة الفراش في التهافت على النار» زيادة من «إحياء علوم الدين» لتمام المعنى.
[7] في (د): «نفسه».
[8] «كان»: ليس في (ص) و(م).
[9] في (ص): «إذا».
[10] في (د): «كما».
[11] في (ب): «مدَّة».