إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب}

(40) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) سقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ، فـ «قولُ»: رُفِعَ على ما لا يخفى ({وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ}) المخصوص بالمدح محذوفٌ، أي: نعم العبدُ سليمانُ ({إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30] ) أي: (الرَّاجِعُ الْمُنِيبُ) وقال السُّدِّيُّ: هو المسبِّح.
(وَقَوْلُهُ) عَزَّ وَجَلَّ: ({هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35] ) لتكون معجزةً لي مناسبةً لحالي، أو لا ينبغي لأحدٍ أن يسلبه منِّي، كما كان من [1] قصَّة [2] الجسد الَّذي أُلقِي على كرسيِّه، والصَّحيح _كما قاله ابن كثيرٍ_: أنَّه سأل مُلْكًا لا يكون [3] لأحدٍ من البشر مثله، كما هو ظاهر سياق الآية.
(وَقَوْلُهُ) تعالى: ({وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ}) أي: واتَّبعوا [4] كُتُبَ السِّحر الَّتي تقرؤها، أو تتَّبعها الشَّياطين من الجنِّ أو الإنس، أو منهما ({عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102] ) أي: عهده، و{تَتْلُو}: حكاية حالٍ ماضيةٍ، قيل: كانوا يسترقون السَّمع ويضمُّون إلى [5] ما سمعوا أكاذيب ويُلقونها إلى الكهنة، وهم يدوِّنونها [6] ويعلِّمون النَّاس، وفشا ذلك في عهد سليمان عليه السلام حتَّى قيل: إنَّ الجنَّ تَعْلَمُ الغيب، وإنَّ مُلْكَ سليمان تمَّ بهذا العلم، وإنَّه يسخِّر به الإنسَ والجنَّ والرِّيح له.
({وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ}) سخَّرناها له ({غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}) أي: جريها بالغداة مسيرة شهرٍ، وبالعشيِّ كذلك، أي: كانت تسير به في يومٍ واحدٍ مسيرة شهرين ({وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ}) أي: (أَذَبْنَا لَهُ عَيْنَ الْحَدِيدِ) وقال غير واحدٍ: {القِطْرِ}: النُّحاس، أساله له من معدنه، فنبع منه نبوع الماء من الينبوع، ولذلك سمَّاه عينًا، وكان ذلك باليمن، وإنَّما ينتفع النَّاس اليوم بما أخرج الله لسليمان، وإنَّما أُسِيلت له ثلاثة أيَّامٍ ({وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ}) مصدرٌ مضافٌ لفاعله، أي: بأمره ({وَمَنْ يَزِغْ}) يعدل ({مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا}) الَّذي أمرناه به من طاعة سليمان ({نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ}) في الآخرة، وقيل: في الدُّنيا، فقد قيل: إنَّ الله تعالى وكَّل بهم ملكًا بيده سوطٌ من نارٍ، فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه ضربةً أحرقته ({يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ} [سبأ: 12-13] قَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله عبد بن حُمَيدٍ: (بُنْيَانٌ) سورٌ [7] (مَا دُونَ الْقُصُورِ) وقال أبو عبيدة: المحاريب: جمع محرابٍ، وهو مُقَدَّمُ كلِّ بيتٍ، وقيل: المساجد، وكان ممَّا عملوا له بيت المقدس، ابتدأه داود ورفعه قامة رجلٍ، وكمَّله سليمان فبناه بالرُّخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمَّده بأساطين المها الصَّافي، وسقَّفه بأنواع [8] الجواهر الثَّمينة، وفصص [9] حيطانه باللَّآلئ واليواقيت وسائر الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن يومئذٍ أبهى ولا أنور منه، كان يضيء في الظُّلمة كالقمر ليلة البدر، واتَّخذ ذلك اليوم الَّذي فرغ منه
ج5ص399
عيدًا، ولم يزل على ما بناه سليمان حتَّى غزاه بختنصَّر فخرَّبه، وأخذ ما كان في سقفه وحيطانه ممَّا ذُكِر إلى دار مملكته من أرض العراق.
({وَتَمَاثِيلَ}) قيل: كانوا ينحتون [10] صور الملائكة والأنبياء والصَّالحين في المساجد، ليراها النَّاس فيزدادوا عبادةً، و [11] تحريم التَّصاوير [12] شرعٌ [13] مجدَّدٌ، وقيل: إنَّهم عملوا أَسَدين في أسفل كرسيِّه ونِسْرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظلَّه النِّسران بأجنحتهما، رواه ابن أبي حاتمٍ عن كعبٍ في خبرٍ طويلٍ عجيبٍ في «صفة الكرسيِّ» [14] ({وَجِفَانٍ}) أي: وصحافٍ ({كَالْجَوَابِ}) أي: (كَالْحِيَاضِ لِلإِبِلِ) قيل: كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجلٍ يأكلون منها (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (كَالْجَوْبَةِ مِنَ الأَرْضِ) بفتح الجيم وبعد الواو السَّاكنة مُوحَّدةٌ، قال الجوهريُّ: الجوبة: الفرجة في السَّحاب وفي الجبال، وانجابت السَّحابة: انكشفت، والجَوْبَة: موضعٌ ينجاب في الحرَّة.
({وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ}) ثابتاتٍ على الأثافيِّ لا تنزل [15] عنها لعظمها، وكان يصعد إليها بالسَّلالم ({اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا}) أي: اعملوا له واعبدوه شكرًا، فالنَّصب على العلَّة ({وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] ) المتوفِّر على أداء الشُّكر الباذل وسعه فيه، قد شغل قلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يوفِّي حقَّه، لأنَّ توفيقه للشُّكر نعمةٌ تستدعي شكرًا آخر، ولذا قيل: الشَّكور من يرى عجزه عن الشُّكر، قاله في «الأنوار» ({فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ}) أي: على سليمان ({مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ}) هي (الأَرَضَةُ) الَّتي [16] ({تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ}) أي: (عَصَاهُ، {فَلَمَّا خَرَّ}) إِلَى قَوْلِهِ: ({الْمُهِينِ} [سبأ: 12-14] ) ولأبي ذرٍّ: ((إلى {فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}))، وقوله «{بإذن ربِّه} إلى آخر قوله: {مِن مَحَارِيبَ}» ثابتٌ لأبي ذرٍّ، وقال غيره: بعد قوله: (({بَيْنَ يَدَيْهِ} إلى قوله: {مِنْ مَحَارِيبَ}))، وثبت لأبي ذرٍّ أيضًا قوله «{اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ} إلى آخر: {الشَّكُورُ}» وكان سليمان لمَّا دنا أجله وأُعلِم به قال: اللَّهمَّ عمِّ على الجنِّ موتي حتَّى تعلم الإنس أنَّ الجنَّ لا يعلمون الغيب، وكانت الجنُّ تخبر الإنس أنَّهم يعلمون من الغيب أشياء، ثمَّ دخل محراب بيت المقدس فقام يصلِّي متوكِّئًا على عصاه فمات قائمًا، وكان للمحراب كوًى بين يديه وخلفه، فكانت الجنُّ تعمل تلك الأعمال الشَّاقَّة وينظرون إلى سليمان، فيرونه فيظنُّونه حيًّا، فلا ينكرون خروجه للنَّاس، لطول صلاته حتَّى أكلت الأرضة عصاه، فخرَّ ميتًا، ثمَّ فتحوا عنه وأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت يومًا وليلةً مقدارًا، فحسبوا ذلك المقدار [17]، فوجدوه قد مات منذ سنةٍ، وكان عمره ثلاثًا وخمسين سنةً، وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنةً، وابتدأ عمارة بيت المقدس لأربعٍ مضين من ذلك.
({حُبَّ الْخَيْرِ}) في قوله تعالى: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} [ص: 32] أي: الخيل الَّتي شغلتني ({عَنْ ذِكْرِ رَبِّي}) قال قتادة: عن صلاة العصر حتَّى غابت الشَّمس.
({فَطَفِقَ مَسْحًا}) أي: فأخذ يمسح مسحًا ({بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ} [ص: 33] ) أي: (يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا) حبًّا لها، وقيل: يمسح بالسَّيف سوقها وأعناقها؛ يقطعها تقرُّبًا إلى الله تعالى وطلبًا لرضاه، حيث اشتغل بها عن طاعته، وهذا أوجه.
({الْأَصْفَادِ}) في قوله تعالى: {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [ص: 38] أي: (الْوَثَاقُ) أي: وآخرين من الشَّياطين قُرِن بعضهم مع بعضٍ في الأغلال ليكفُّوا عن الشَّرِّ.
(قَالَ مُجَاهِدٌ: {الصَّافِنَاتُ}) في قوله: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ} هي من قولهم: (صَفَنَ الْفَرَسُ) بفتح الصَّاد والفاء والنُّون، و«الفرسُ» رفع فاعلٍ، أي: (رَفَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ حَتَّى تَكُونَ [18] عَلَى طَرَفِ الْحَافِرِ) وهذا وصله الفريابيُّ، لكن قال: «يديه ورجليه [19]»، وصوّب القاضي عياضٌ [20] ما عند الفريابيِّ، وقال في «الأنوار»: الصَّافن من الخيل الَّذي يقوم على طرف سُنْبُك يدٍ أو رجلٍ، وهو من الصِّفات المحمودة في الخيل، ولا يكاد يكون إلَّا في العِرَاب الخُلَّص، وقال الزَّجَّاج: هو الَّذي يقف على إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه، وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه، قال: وهي علامة الفراهة ({الْجِيَادُ} [ص: 31-34] ) قال مجاهدٌ فيما وصله الفريابيُّ: (السِّرَاعُ) في جريها.
({جَسَدًا}) في قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا} أي:
ج5ص400
(شَيْطَانًا) قيل: إنَّ سليمان غزا صيدون من الجزائر فقتل ملكها، وأصاب ابنته جرادة فأحبَّها، وكان لا يرقأ دمعها حزنًا على أبيها، فأمر الشَّياطين فمثَّلوا لها صورته، وكان اتِّخاذ التَّماثيل جائزًا حينئذٍ، فكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن لها كعادتهنَّ في ملكه، فأخبره آصف بسجودهنَّ، فكسر الصُّورة وضرب المرأة، وخرج إلى الفلاة باكيًا متضرِّعًا، وكانت له أمُّ ولدٍ تُسمَّى أمينة، إذا دخل للطَّهارة أعطاها خاتمه، وكان ملكه فيه، فأعطاها يومًا فتمثَّل لها بصورته شيطانٌ اسمه صخرٌ، وأخذ الخاتم فتختَّم به، وجلس على كرسيِّه، فاجتمع عليه [21] الخلق ونفذ حكمه في كلِّ شيءٍ إلَّا في نسائه، وغيَّر سليمان عن هيئته فأتاها يطلب الخاتم فطردته، فعرف أنَّ الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفَّف حتَّى مضى أربعون يومًا عدد ما عُبِدت الصُّورة في بيته، فطار الشَّيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكةٌ، فوقعت في يده، فبقر بطنها، فوجد الخاتم فتختَّم به، وخرَّ ساجدًا لله تعالى وعاد إليه [22] ملكه، والخطيئة تغافله عن حال [23] أهله، والسُّجود للصُّورة بغير علمه لا يضرُّه. وعن مجاهدٍ فيما رواه الفريابيُّ: {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا} [ص: 34] قال: شيطانًا يقال له: آصف. قال له سليمان: كيف تفتن النَّاس [24]؟ قال: أرني خاتمك أخبرك، فأعطاه فقذفه آصف في البحر فساخ، فذهب سليمان وقعد آصف على كرسيِّه، ومنعه الله نساء سليمان فلم يقربهنَّ…، الخبر بنحو ما سبق. قال ابن كثيرٍ: وهذا كلُّه من الإسرائيليَّات، وقال البيضاويُّ: أظهر ما رُوِي في ذلك مرفوعًا أنَّه قال: «لأطوفنَّ اللَّيلة على سبعين [25] امرأةً...» الحديثَ، ويأتي قريبًا _إن شاء الله تعالى_ بعون الله [خ¦3424].
({رُخَاءً}) في قوله تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً} [ص: 36] أي: (طَيِّبَةً) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيّ: ((طيِّبًا)) بالتَّذكير.
({حَيْثُ أَصَابَ}) أي: (حَيْثُ شَاءَ. {فَامْنُنْ}) أي: (أَعْطِ) من شئت أو أمسك، أي: امنع من شئت ({بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39] ) أي: (بِغَيْرِ حَرَجٍ).
ج5ص401


[1] في (د): «في».
[2] في (م): «قضيَّة».
[3] في غير (ب) و(د) و(س): «ينبغي».
[4] في (م): «واتركوا» وهو تحريفٌ.
[5] «إلى»: ليس في (د).
[6] في غير (س): «يدنونها» ولعلَّه تحريفٌ.
[7] في (ص) و(م): «صورة» ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[8] في (د): «بألواح».
[9] في (ب): «قصص»، وهو تصحيفٌ.
[10] في (د)، وفي نسخةٍ في هامش (م): (يتَّخذون).
[11] زيد في (م): «أمَّا».
[12] في (م): «الصُّور الآن».
[13] في (ص) و(م): «فشرعٌ».
[14] في (د): «كرسيِّه».
[15] في (د): «تزول».
[16] «التي»: ليس في (د).
[17] «المقدار»: ليس في (د).
[18] في (ب) و(س): «يكون»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[19] في (د) و(م): «مع رجليه».
[20] «عياضٌ»: ليس في (د).
[21] في (د): «إليه».
[22] في (د): «إلى».
[23] «حال»: ليس في (د).
[24] زيد في (د) و(م): «عليَّ».
[25] في غير (د): «تسعين» وكلاهما جاء في «البخاريِّ».