إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب: {وإن إلياس لمن المرسلين*إذ قال لقومه ألا تتقون}

(4) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، يُذكَر فيه قوله تعالى: ({وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}) هو إلياس بن ياسين، سبط هارون أخي موسى، بُعِث بعده. وقال عبد الله بن مسعودٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: هو إدريس، وفي «مصحفه»: {{وإنَّ إدريس لمن المرسلين}}، وسقط الباب لأبي ذرٍّ [1] ({إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ}) ألا تخافون الله في عبادتكم غيره ({أَتَدْعُونَ بَعْلًا}) أي: أتعبدون صنمًا، أو تطلبون الخير منه ({وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللهُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ}) المستحقُّ للعبادة وحده لا شريك له ({فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ}) للعذاب يوم الحساب ({إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ}) من قومه، أي: الموحِّدين [2] منهم [3]، وهو مستثنًى من الواو في: {فَكَذَّبُوهُ} وهو استثناءٌ متَّصلٌ، وفيه دلالةٌ على أنَّ في قومه من لم يكذِّبه، فلذلك استُثنوا، ولا يجوز أن يكون مستثنًى من المحضرين لفساد المعنى، لأنَّه يلزم حينئذٍ أن يكونوا مندرجين فيمن كذَّب، لكنَّهم لم يُحضَروا لكونهم عباد الله المخلصين، وهو بيِّن الفساد، ولا يُقال: هو مستثنًى منه استثناءً منقطعًا، لأنَّه يصير المعنى: لكنَّ عباد الله المخلصين من غير هؤلاء لم يُحضَروا، ولا حاجة إلى هذا [4] بوجهٍ؛ إذ به يفسد نظم الكلام ({وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ} [الصَّافَّات: 123-129] ) أي: ثناءً جميلًا.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن جريرٍ: (يُذْكَرُ بِخَيْرٍ) أي: في الآخرين، ولأبي ذرٍّ: بعد قوله: {أَلَا تَتَّقُونُ} ((إلى قوله [5]: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ}))، وإسقاط: (({أَتَدْعُونَ بَعْلًا} إلى آخر قوله: {الْمُخْلَصِينَ})) ({سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ}) بفتح الهمزة ومدِّها وكسر اللَّام وفصلها من الياء، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ ويعقوب، أضافوا {آل} الَّذي هو بمعنى: «أهل» إلى {يَاسِينَ} كآل إبراهيم، فهي على هذه القراءة كلمتان، فيكون ياسين أبا إلياس، وقراءة الباقين: بكسر الهمزة وسكون اللَّام ووصلها بالياء كلمةً واحدةً، جمعٌ لـ «إلياس» وجُمِع باعتبار أصحابه، كالمهلَّبين [6] في المهلَّب [7] ({إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}) أي: إنَّما خصصناه بأن يُذكَر بخيرٍ لأجل كونه محسنًا، ثمَّ علَّل كونه محسنًا بقوله: ({إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [الصَّافَّات: 130-132] ) .
(يُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله بصيغة التَّمريض (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه فيما وصله عبد بن حُمَيدٍ وابن أبي حاتمٍ بإسنادٍ حسنٍ (وَابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما فيما وصله ابن [8] جريرٍ [9] في تفسيره بإسنادٍ ضعيفٍ: (أَنَّ إِلْيَاسَ هُو إِدْرِيسُ) فيكون له اسمان، وفي مصحف ابن مسعودٍ: {{وإن إدريس لمن المرسلين}}، وسبق أنَّ «إلياس» من ولد هارون أخي موسى عليهم السلام، فعلى هذا فليس إدريس جدًّا لنوحٍ، لأنَّه من بني إسرائيل، والصَّحيح: أنَّ إلياس غير إدريس، لأنَّ الله تعالى ذكره في سورة الأنعام، حيث قال: {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ} إلى أن قال: {وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ} [الأنعام: 84-85] فدلَّ على أنَّ إلياس من ذرِّيَّة نوحٍ، وإدريس جدُّ أبي نوحٍ كما يأتي قريبًا _إن شاء الله تعالى_.
ج5ص330


[1] «وسقط الباب لأبي ذرٍّ»: مثبتٌ من (د).
[2] زيد في (م): «من قومه».
[3] «منهم»: مثبتٌ من (د) و(س).
[4] في (د): «لهذا».
[5] «قوله»: ليس في (د).
[6] في (م): «كالمهالبة»، وفي (د): «كالمهلَّبة»، وفي (ص): «كالمهلِّين».
[7] في (ص): «المهلِّ».
[8] «ابن»: سقط من (ب).
[9] في (ب) و(س) و(ل): «جويبرٍ»، وهو تحريفٌ.