إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

[كتاب المناقب]

(بابُ [1] المَنَاقِبِ) وفي بعض النسخ ((كتاب المناقب [2] ) ) والأوَّل أوجه، لأنَّ الظاهر من صنيع المؤلِّف رحمه الله أنَّه أراد أحاديث الأنبياء على الإطلاق؛ ليعمَّ ويكون هذا الباب من جملة «كتاب [3] أحاديث الأنبياء» وفي «القاموس»: المَنْقَبة: المفخرة، وقال التِّبريزيُّ: المناقب: المكارم، واحدها: منقبةٌ، كأنَّها [4] تنقب الصَّخرة من عِظَمها، وتنقب قلب الحسود، وفي «أساس البلاغة»: ورجلٌ [5] ذو [6] مناقب؛ وهي المخابر [7] والمآثر.
(1) (قَوْل اللهِ تَعَالَى) بالرَّفع والجرِّ [8]، كذا في الفرع وأصله، وفي بعض الأصول: ((وقولِ الله)) بالجرِّ عطفًا على سابقه وزيادةِ الواو: ({يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى}) آدم وحواء، أو خلقنا كلَّ واحدٍ منكم من أبٍ وأمٍّ، فلا وجه للتفاخر بالنسب ({وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}) ليعرف بعضكم بعضًا، لا للتفاخر بالآباء والقبائل ({إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] ) فالمناقب: إنَّما هي بالعمل بطاعة الله، والكفِّ عن معصيته، وفي حديث ابن عمر: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكَّة على ناقته القصواء يستلم الأركان بمِحْجنٍ في يده، فما وجد لها مُناخًا في المسجد حتى نزل على أيدي الرِّجال، فخُرِجَ بها إلى بطن المسيل، فأُنيخت، ثم إنَّ رسول صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته، فحَمِد الله وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثمَّ قال: «يا أيُّها النَّاس؛ قد أذهب الله عنكم عبِّيَّةَ الجاهليَّة وتعظيمها بآبائها، فالنَّاس رجلان؛ رجل تقيٌّ كريمٌ على الله، و [9] فاجرٌ شقيٌّ هيِّنٌ على الله، إنَّ الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُم إِنَّ اللهَ عَليمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] ثم قال [10]: أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم». رواه ابن أبي حاتمٍ، وسقط لأبي ذرٍّ «{وَجَعَلْنَاكُمْ}... إلى آخره» وقال بعد: {وَأُنثَى}: ((الآية)).
(وَقَوْلُهُ) عَزَّ وَجَلَّ: ({وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ}) أي: يسأل بعضكم بعضًا، فيقول: أسألك بالله ({وَالأَرْحَامَ}) بالنصب عطفًا [11] على لفظ الجلالة، أي: واتقوا الأرحامَ لا تقطعوها، وقيل: إنَّه من عطف الخاصِّ على العامِّ، لأنَّ معنى {اتَّقُوا اللهَ}: اتَّقوا مخالفتَه، وقطعُ الأرحام [12] مندرج في ذلك، وقرأ حمزة بالخفض عطفًا على الضمير المجرور في {بِهِ} من غير إعادة الجارِّ،
ج6ص2
وهذا لا يُجيزه البصريُّون، وفيه مباحثُ ذكرتُها في مجموعي في القراءات الأربعة عشر، و{الأَرْحَامِ}: جمع رحم، وذوو [13] الرحم: الأقاربُ، يُطلَق على كلِّ مَن جمع [14] بينه وبين الآخر نسبٌ ({إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النِّساء: 1] ) جارٍ مَجرى التَّعليل (وَمَا يُنْهَى) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وفتح ثالثه (عَنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) كالنِّياحة وانتساب الشخص إلى غير أبيه، وترجم المؤلِّف له في بابٍ [15] يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦3521قبل] (الشُّعُوبُ) بضمِّ الشِّين المعجَمة [16] جمع شَعْب؛ بفتحها، قال مجاهدٌ فيما أخرجه الطبريُّ [17] عنه: (النَّسَبُ الْبَعِيدُ) مثلُ: مضرَ وربيعَة (وَالْقَبَائِلُ دُونَ ذَلِكَ) مثل: قريشٍ وتميمٍ، وفي نسخة: ((والقبائلُ: البطونُ)).
ج6ص3


[1] زيد في (ص) قبلها: «بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي».
[2] «المناقب»: مثبتٌ من (م).
[3] «كتاب»: مثبتٌ من (م).
[4] في (ص): «لأنها».
[5] زيادة من (د) و(م).
[6] ليست في (ص) و(ب).
[7] في (د): «المفاخر».
[8] «والجرِّ»: ليس في (د)، وضرب عليه في (م).
[9] في غير (د) و(م): «والآخر».
[10] «قال»: مثبتٌ من (د) و(م).
[11] في (د): «عطفٌ».
[12] زيد في (د) و(م): «منه».
[13] «ذوو»: ليس في (ب)، وفي غير (د): «ذو».
[14] في (د): «يجمع».
[15] في (د): «ببابٍ».
[16] «المعجَمة»: ليس في (د).
[17] في (م): «الطبراني» وكتب على هامشه (في نسخة: الطبري)، وهو الصواب.