إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أنا سيد القوم يوم القيامة

3340- وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: ((حدَّثنا)) (إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هو إسحاق بن إبراهيم بن نصرٍ السَّعديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، الطَّنافسيُّ الأحدب الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ) _بالحاء المهملة وتشديد الياء التَّحتيَّة_ يحيى بن سعيد بن حيَّان التَّيميُّ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هَرِمِ بن عمرٍو البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دعْوَةٍ) بفتح الدَّال وكسرها في «اليونينيَّة»: طعام مدعوٍّ إليه ضيافةً (فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ) بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول، قال السَّفاقسيُّ: الصَّواب: رُفِعت، لأنَّ الذِّراع مُؤنَّثةٌ. قال في «المصابيح»: وهذا خبطٌ، لأنَّ هذا إسنادٌ إلى ظاهرٍ غير الحقيقيِّ، فيجوز التَّأنيث وعدمه، بل أقول: لوكان التَّأنيث هنا حقيقيًّا، لم يجب اقتران الفعل بعلامة التَّأنيث، لوجود الفاصل [2] كقولك: قام في الدَّار هندٌ (وَكَانَتْ) أي: الذِّراع (تُعْجِبُهُ) لأنَّها أعجل نضجًا، وأخفُّ على المعدة، وأسرع هضمًا، مع لذَّتها وحلاوة مذاقها، ولذا سُمَّ فيها (فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً) بسينٍ مهملةٍ فيهما، أخذ لحمها [3] من العظم بأطراف أسنانه، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: ((فنهش منها نهشةً)) بالشِّين المعجمة فيهما: أخذه بأضراسه (وَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ الْقَوْمِ) وضُبِّب على «القوم» في الفرع كأصله، وفي الهامش مُصحَّحًا عليه: ((سيِّد النَّاس)) (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) خصَّه بالذِّكر، لارتفاع سؤدده وتسليم الجميع له فيه [4]، وإذا كان سيِّدهم في يوم القيامة ففي الدُّنيا أَولى، وقوله: «لا تخيِّروا بين الأنبياء» أي: تخييرًا يؤدِّي إلى تنقيصٍ، أو لا تخيِّروا في ذات النُّبوَّة والرِّسالة؛ إذ الأنبياء فيهما على حدٍّ واحدٍ، والتَّفاضل بأمورٍ أُخَر، أو خصَّه، لأنَّ القصَّة قصَّة يوم القيامة (هَلْ تَدْرُونَ بِمَنْ) وللكُشميهنيِّ: ((بمَ))،
ج5ص328
وللحَمُّويي والمُستملي: ((ثمَّ)) بالمثلَّثة بدل الموحَّدة وتشديد الميم (يَجْمَعُ اللهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ؟) أرضٍ مستويةٍ واسعةٍ (فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ) أي: يحيط بهم بصر النَّاظر، بحيث لا يخفى عليه منهم شيءٌ، لاستواء الأرض وعدم الحجاب (وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي) _بضمِّ الياء_ من الإسماع (وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ) فيبلغهم من الغمِّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون (فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ) لبعضٍ: (أَلَا تَرَوْنَ إِلَى [5] مَا أَنْتُمْ [6] فِيهِ) من الغمِّ والكرب (إِلَى مَا بَلَغَكُمْ) بدلٌ من قوله: «إلى ما أنتم فيه» (أَلَا) بالتَّخفيف كالسَّابقة للعرض أو التَّحضيض (تَنْظُرُونَ إِلَى [7] مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ) حتَّى يريحكم من مكانكم هذا (فَيَقُولُ بَعْضُ [8] النَّاسِ: أَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ) له: (يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُ الْبَشَرِ) كُتِب بغير واوٍ بعد الموحَّدة من «أبو» [9]، ولأبي ذرٍّ: ((أبو البشر)) بإثبات الواو (خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) الإضافة إليه تعالى إضافة تعظيم للمضاف وتشريفٍ (وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ) زاد في رواية همَّامٍ في «التَّوحيد» [10][خ¦7440]: «وعلَّمك أسماء كلِّ شيءٍ» وضع «شيءٍ» موضع «أشياء» أي: المسمَّيات، لقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] أي: أسماء المسمَّيات، أراد التَّقصِّي واحدًا فواحدًا [11] حتَّى يستغرق المسمَّيات كلَّها (أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا) _بفتح الغين_ من الكرب والعرق؟ (فَيَقُولُ) آدم عليه السلام: (رَبِّي غَضِبَ) اليوم (غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ) والمراد من الغضب لازمُه، وهو إرادة إيصال الشَّرِّ إلى المغضوب عليه. وقال النَّوويُّ: المراد: ما يظهره تعالى من انتقامه فيمن عصاه، وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال الَّتي لم تكن ولا يكون مثلها، ولا ريب أنَّه لم يتقدَّم قبل ذلك اليوم مثله، ولا يكون بعده مثله (وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ) أي: عن أكلها (فَعَصَيْتُهُ) ولأبي ذرٍّ: ((فعصيت [12] ) ) بحذف الضَّمير (نَفْسِي نَفْسِي) مرَّتين، أي: نفسي هي الَّتي تستحقُّ أن يشفع لها، لأنَّ المبتدأ والخبر إذا كانا متَّحدين فالمراد بعض لوازمه، أو قوله: «نفسي» مبتدأٌ والخبر محذوفٌ، وعند سعيد بن منصورٍ من رواية ثابتٍ: «إنِّي أخطأت وأنا في الفردوس، فإنْ يغفر لي اليوم فحسبي» (اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ) بيانٌ لقوله: «اذهبوا إلى غيري» (فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ) له: (يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) استشكلت الأوَّليَّة هنا: بأنَّ آدم نبيٌّ مُرسَلٌ، وكذا شيثٌ وإدريس، وهم قبل نوح، وأُجيب: بأنَّ الأوَّليَّة مُقيَّدةٌ بقوله: «إلى أهل الأرض» لأنَّ آدم ومن بعده لم يُرسَلوا إلى أهل الأرض، واستُشكِل بقوله في حديث جابرٍ [خ¦335]: «أُعِطيت خمسًا». وفيه: «وكان النَّبيُّ [13] يُبعَث إلى قومه خاصَّةً وبُعثِت إلى النَّاس كافَّةً» وأُجيب: بأنَّ بعثة نوحٍ إلى أهل الأرض باعتبار الواقع، لصدق أنَّهم قومه، بخلاف عموم بعثة [14] نبيِّنا صلى الله عليه وسلم لقومه ولغير قومه، ويأتي _إن شاء الله تعالى_ مزيدٌ لذلك في محالِّه بعون الله وقوَّته (وَسَمَّاكَ اللهُ) في سورة الإسراء (عَبْدًا شَكُورًا) تحمد الله تعالى على مجامع حالاته (أَمَا) بتخفيف الميم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((ألا)) (تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا؟) بفتح الغين (أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ) حتَّى يريحنا من مكاننا؟ (فَيَقُولُ) نوحٌ عليه السلام: (رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، نَفْسِي نَفْسِي) مرَّتين (ائْتُوا النَّبِيَّ) محمَّدًا صلى الله عليه وسلم، المعروف: أنَّ نوحًا يدلُّهم على إبراهيم، وإبراهيم على موسى، وموسى على عيسى، وعيسى على النَّبيِّ محمَّدٍ [15] (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: (فَيَأْتُونِي، فَأَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ) زاد أحمد في «مُسنَده»: «قدر جمعةٍ» (فَيُقَالُ [16]: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ) أي: تُقبَل شفاعتك (وَسَلْ تُعْطَهُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) _مُصغَّرًا، من غير إضافةٍ لشيءٍ_ الأحدب: (لَا أَحْفَظُ سَائِرَهُ) أي: باقي الحديث، لأنَّه مُطوَّلٌ معلومٌ من رواية غيره.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦4712]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد» و«الأطعمة»، والنَّسائيُّ في «الوليمة» مُختصرًا، وفي «التَّفسير» مُطوَّلًا، وابن ماجه في «الأطعمة».
ج5ص329


[1] في (م): «رسول الله» والمثبت موافق لليونينية.
[2] في (م): «الفاعل» وهو تحريفٌ.
[3] في (د): «لحمًا».
[4] «فيه»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[5] «إلى»: سقط من (م).
[6] في (ص): «نحن».
[7] «إلى»: ليس في (ص).
[8] «بعض»: سقط من (م).
[9] في (ب) و(س): «أب».
[10] «في التَّوحيد»: ليس في (د).
[11] في (م): «واحدًا».
[12] «فعصيتُ»: ليس في (ص).
[13] زيد في (د): «صلى الله عليه وسلم».
[14] في (د): «بعث».
[15] «محمَّدٍ»: ليس في (د).
[16] في (د): «فيقول».