إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب قول الله عز وجل: {ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه}

(3) (باب قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ}) جواب قسمٍ محذوفٍ تقديره: والله لقد ({أَرْسَلْنَا}) أي بعثنا [1] ({نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [هود: 25] ) وهو ابن خمسين سنةً. وقال مقاتلٌ: ابن مئة سنةٍ. وعند ابن جريرٍ: ثلاث مئةٍ وخمسين سنةً. وقال [2] ابن عبَّاسٍ: سُمِّي نوحًا. لكثرة نوحه على نفسه، واختُلِف في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: لمراجعته ربَّه في شأن ابنه كنعان، وهو نوح بن لامك [3] بن مَتَّوشَلَخ بن أخْنُوخ، وهو إدريس، وهو أوَّل نبيٍّ بعثه الله بعد إدريس، وقال القرطبيُّ: أوَّل نبيٍّ بعثه الله بعد آدم بتحريم البنات والعمَّات والخالات، وكان مولده _فيما ذكره ابن جريرٍ_ بعد وفاة آدم بمئةٍ وستَّةٍ وعشرين عامًا، ومات وعمره ألف سنةٍ وأربع مئة سنةٍ، ودُفِن بالمسجد الحرام، وقيل غير ذلك. وعن أبي أمامة رضي الله عنه: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أنبيٌّ كان آدم؟ قال: «نعم» قال: فكم كان بينه وبين نوحٍ؟ قال: «عشرة قرونٍ» رواه ابن حبَّان وصحَّحه. قال ابن كثيرٍ: وهو على شرط مسلمٍ، ولم يخرجوه.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما فيما رواه [4] ابن أبي حاتمٍ في قوله تعالى: ({بَادِئَ الرَّأْيِ} [هود: 27] ) أي: (مَا ظَهَرَ لَنَا) من [5] غير رويَّةٍ وتأمُّلٍ، بل من أوَّل وهلةٍ ({أَقْلِعِي}) قال ابن عبَّاسٍ، أي [6]: (أَمْسِكِي) ومنه: أقلعت الحُمَّى، وهذا مجازٌ، لأنَّها مواتٌ، وقيل: جعل فيها ما تُمَيَّز به، والَّذي قال: إنَّه مجازٌ قال: لو فُتّش كلام العرب والعجم، ما وُجِدَ فيه مثل هذه الآية، على حسن نظمها، وبلاغة وصفها [7]، واشتمال المعاني فيها ({وَفَارَ التَّنُّورُ} [هود: 40] ) قال ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق عليِّ بن أبي طلحة: أي: (نَبَعَ الْمَاءُ) فيه وارتفع، كالقدر يفور، والتَّنُّور أشرف موضعٍ في الأرض وأعلاه، أو «التَّنُّور» الَّذي يُخبَز فيه، ابتدأ منه النُّبوع على خرق العادة، وكان في الكوفة في موضع مسجدها أو في الهند، قيل: وكان من حجارةٍ، كانت حوَّاء تخبز فيه فصار إلى نوحٍ (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ فيما وصله ابن جريرٍ: «التَّنُّور» (وَجْهُ الأَرْضِ) وهو قول الزُّهريِّ أيضًا.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله ابن أبي حاتمٍ: (الْجُودِيُّ) في قوله تعالى: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: 44] هو (جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ) المعروفة بابن عمر في الشَّرق [8] فيما بين دجلة والفرات، وزاد ابن أبي حاتمٍ: [9] تشامخت الجبال يوم الغرق وتواضع هو لله تعالى فلم يغرق، وأُرسِيت عليه سفينة نوحٍ، ورُوِي: أنَّه ركب السَّفينة عاشر رجبٍ، ونزل عاشر المحرَّم، فصام ذلك اليوم وصار سُنَّةً، وذكر ابن جريرٍ وغيره: أنَّ الطُّوفان كان في [10] ثالث عشر شهر [11] آب في شدَّة الحرِّ و [12] القيظ. وقد [13] رُوِي: أنَّ نوحًا لمَّا يئس من صلاح قومه دعا عليهم دعوةً غضب الله عليهم، فلبَّى دعوته وأجاب طلبته، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} [الصَّافَّات: 75] وأمره أن يغرس شجرًا ليعمل منه السَّفينة فغرسه، وانتظره مئة سنةٍ، ثمَّ نجره في مئة سنةٍ [14] أخرى، وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعًا، وعرضها خمسين ذراعًا. وقال قتادة: كان [15] طولها ثلاث مئة ذراعٍ في عرض خمسين. وقال الحسن البصريُّ: ستُّ مئةٍ في عرض ثلاث مئةٍ. وعن ابن عبَّاسٍ: ألفٌ ومئتا ذراعٍ في عرض ستِّ مئةٍ. وكانت ثلاث طبقاتٍ، كلُّ واحدةٍ عشرة أذرعٍ، فالسُّفلى للدَّوابِّ والوحوش، والوسطى للنَّاس، والعليا للطُّيور، وكان لها غطاءٌ من فوقها مطبقٌ عليها، وفُتِحت [16] أبواب السَّماء بماءٍ منهمرٍ، وفُجِّرت الأرض عيونًا، وأمره الله [17] تعالى أن يحمل في السَّفينة من كلٍّ زوجين اثنين من الحيوانات وسائر ما له روحٌ من المأكولات وغيرها، لبقاء نسلها، ومن آمن و [18] أهل بيته إلَّا من كان كافرًا، وارتفع الماء على أعلى جبلٍ في الأرض خمسة عشر ذراعًا، وقيل: ثمانين ذراعًا، وعمَّ الأرض
ج5ص326
كلَّها طولها وعرضها، ولم يبقَ على وجه الأرض أحدٌ [19]، واستجاب الله تعالى دعوته، حيث قال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] فلم يبقَ منهم عينٌ تطرف، وهذا _كما قاله [20] الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ_ يردُّ على من زعم من المفسِّرين وغيرهم: أنَّ عوج بن عنقٍ_ ويُقال: ابن عناقٍ_ كان موجودًا من قبل نوحٍ وإلى زمان موسى، ويقولون: كان كافرًا متمرِّدًا جبَّارًا عنيدًا، ويقولون: «عنق» أمُّه بنت آدم من زنًى           وإنَّه كان يأخذ لطوله [21] السَّمك [22] من قرار البحر ويشويه في عين الشَّمس، وإنَّه كان يقول لنوحٍ وهو في السَّفينة: ما هذه القصعة الَّتي بك؟! ويستهزئ به، ويذكرون أنَّ طوله كان ثلاثة آلاف ذراعٍ وثلاث مئةٍ وثلاثًا [23] وثلاثين وثلث ذراعٍ، إلى غير ذلك من الهذيانات الَّتي لولا أنَّها مُسطَّرةٌ في كثيرٍ من كتب التَّفاسير وغيرها من التَّواريخ وغيرها من أيَّام النَّاس، لَمَا تعرَّضنا لحكايتها لسقاطتها وركاكتها، ثمَّ إنَّها مخالفةٌ للمعقول والمنقول. أمَّا المعقول [24] فكيف يسوغ أنَّ الله يهلك ولد نوحٍ لكفره وأبوه نبيُّ الأمَّة وزعيم أهل الإيمان، ولا يهلك عوج بن عنقٍ وهو أظلم وأطغى على ما ذكروا، ولا يرحم منهم أحدًا ويترك هذا الجبَّار العنيد، الفاجر الشَّديد، الكافر الشَّيطان [25] المريد؟! على ما ذكروا. وأمَّا المنقول فقال الله تعالى: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} [الشُّعراء: 66] وقال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوحٌ: 26] ثمَّ هذا الطُّول الَّذي ذكروا [26] مخالفٌ لما في «الصَّحيحين» [خ¦3326] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنَّ الله تعالى خلق آدم طوله ستُّون ذراعًا، ثمَّ لم يزل الخلق ينقص حتَّى الآن» فهذا نصُّ الصَّادق المصدوق المعصوم [27] الَّذي لا ينطق عن الهوى {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النَّجم: 4] إنَّه لم يزل ينقص حتَّى الآن، أي: لم يزل النَّاس في نقصانٍ في [28] طولهم من آدم إلى يوم إخباره بذلك، وهلمَّ جرًّا إلى يوم القيامة، وهذا يقتضي أنَّه لم يوجد من ذرِّيَّة آدم من كان أطول منه، وكيف يُترَك ويُصار إلى قول [29] الكَذَبة الكَفَرة من أهل الكتاب الَّذين بدَّلوا كتب الله المنزَّلة، وحرَّفوها وأوَّلوها [30] ووضعوها على غير مواضعها، عليهم لعائنُ الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وما أظنُّ هذا الخبر عن عوج بن عنقٍ [31] إلَّا اختلاقًا من بعض زنادقتهم وكفَّارهم الَّذين كانوا أعداء الأنبياء، والله أعلم. انتهى [32].
({دَأْبِ}) في قوله تعالى: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ} [غافر: 31] قال مجاهدٌ فيما وصله الفريابيُّ: هو (مِثْلُ حَالِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: (({دَأْبِ}: حال)) فأسقط لفظ «مثل».
({وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ}) أي: خبره مع قومه ({إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ}) عَظُم وشقَّ عليكم ({مَقَامِي}) أي: إقامتي بينكم مدَّةً مديدةً _ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا_ أو قيامي على الدَّعوة ({وَتَذْكِيرِي}) إيَّاكم ({بِآيَاتِ اللهِ}) بحججه (إِلَى قَوْلِهِ: {مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 71] ) أي: المنقادين لحكمه، وهذه الآية ثبتت في الفرع، وعليها رقم أبي ذرٍّ وابن عساكر.
ج5ص327


[1] «أي: بعثنا»: ليس في (م).
[2] في (د): «وعن».
[3] في (ل): «لمك».
[4] في (د): «وصله».
[5] في (ب) و(م): «عن».
[6] «أي»: ليس في (ب).
[7] في (ل): «رَصْفُها».
[8] في (ص): «المشرق».
[9] زيد في (ص): «ثمَّ».
[10] «في»: ليس في (ص).
[11] «شهر» مثبتٌ من (د)، وليس فيها «عشر».
[12] «الحرِّ و»: مثبتٌ من (م).
[13] «قد»: ليس في (ص) و(م).
[14] «سنةٍ»: ليس في (د).
[15] «كان»: ليس في (د).
[16] في (د): «وتفتَّحت».
[17] اسم الجلالة ليس في (د).
[18] زيد في (ب) و(س): «من».
[19] في (د): «أهلٌ».
[20] في (ص): «قال».
[21] في (د) و(م): «من طوله».
[22] في غير (ب) و(س): «السَّمكة».
[23] «وثلاثًا»: ليس في (ص).
[24] في غير (ب) و(س): «العقل».
[25] «الشَّيطان»: ليس في (د).
[26] في (ص): «ذُكِر».
[27] «المعصوم»: ليس في (د).
[28] «في»: ليس في (م).
[29] في (ص): «نحو».
[30] «وأوَّلوها»: ليس في (ص).
[31] «بن عنقٍ»: ليس في (م).
[32] «انتهى»: مثبتٌ من (م).