إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله

4019- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحاك بنُ مخلدٍ النَّبيل (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبدِ الملك بنِ عبد العزيز (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمدِ بن مسلمٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) اللَّيثيِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين (ابْنِ عَدِيٍّ) بفتحها، ابنِ الخِيَار القُرَشيِّ النَّوْفليِّ (عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ) تبنَّاه الأسودُ ابن عبد يَغْوث، فنسبَ إليه، واسم أبيه عَمرو.
قال المؤلِّف _رحمه الله_: بالسَّند المذكور (ح وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وبإثبات الواو لأبي ذرٍّ (إِسْحَاقُ) بنُ منصورِ الكَوْسج المِرْوزيُّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، ابنِ إبراهيمَ بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ نزيلُ بغداد قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن عبد الله (عَنْ عَمِّه) محمدِ بنِ مسلم بنِ شهابٍ، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) بالمثلثة (ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ [1] ) بضم الجيم وسكون النون وبعد الدال المهملة المفتوحة عين مهملة مكسورة (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) بضم العين (ابْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف التَّحتية (أَخْبَرَهُ: أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو) بفتح العين،
ج6ص271
ابنِ ثعلبةَ ابن مالك بنِ ربيعةَ (الْكِنْدِيَّ) بكسر الكاف (وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ) بضم الزاي وسكون الهاء، ابن كلابِ بن مُرَّة بن كعب بنِ لؤي بن غالبِ بن فِهْر (وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يا رَسُولِ اللهِ) كذا في الفَرْع، والَّذي في أصله ((أنَّه قال لرسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم)) (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ) بالذال المعجمة، أي: التجأَ واحتضَنَ (مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ) أي: دخلتُ في الإسلام، وفي رواية مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ _في هذا الحديثِ_ عند مسلم: أنَّه قال: «لا إله إلا الله» (أَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ) بهمزة الاستفهامِ والمدِّ (بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟) أي: كلمة: أسلمتُ لله.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَقْتُلْهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ) لأنَّه صار مسلمًا معصومَ الدَّم، قد جبَّ الإسلامُ ما كان منه من قطعِ يدك (وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ) أسلمتُ لله (الَّتِي قَالـ)ـها، أي: إنَّ دمك صارَ مباحًا بالقصاصِ، كما أنَّ دمَ الكافرِ مباحٌ بحقِّ الدين، فوجهُ الشَّبه إباحةُ الدَّم، وإن كان الموجِبُ مختلفًا، أو: أنَّك تكون آثمًا كما كان هو آثمًا في حال كُفْره، فيجمعكُمَا اسمُ الإثم، وإن كان سببُ الإثمِ مختلفًا، أو المعنى: إن قتلتَهُ مستحلًّا.
وتُعُقِّبَ: بأنَّ استحلالهُ للقتلِ إنَّما هو بتأويل [2] كونهِ أسلمَ خوفًا من القتلِ، ومن ثَمَّ لم يُوجب النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَوَدًا ولا دِيَة، وإنَّما ذلك _والله أعلم_ حيثُ كان عن اجتهادٍ ساعدَهُ المعنى، وبيَّن صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ مَن قالها فقد عصَمَ دمَهُ ومالَهُ، وقال: «هلَّا شققْتَ عن قلبِهِ» إشارة إلى نكتةِ الجواب، والمعنى _والله أعلم_: أنَّ هذا الظَّاهر مُضْمحلٌّ بالنسبةِ إلى القلبِ؛ لأنَّه لا يطَّلع على ما فيه إلَّا الله، ولعلَّ هذا أسلم حقيقةً، وإن كان تحت السَّيف، ولا يمكنُ دفع هذا الاحتمالِ، فحيثُ وجدت الشَّهادتان حُكِم بمضمونهما بالنَّسبة إلى الظَّاهر، وأَمْرُ الباطنِ إلى الله تعالى، فالإقدامُ على قتلِ المتلفِّظ بهما مع احتمال أنَّه صادقٌ فيما أخبرَ به عن ضميرِهِ فيه ارتكابُ ما لعلَّه يكون ظلمًا له، فالكفُّ عن القتلِ أولى.
والشَّارع _عليه الصلاة والسلام_ ليس له غرضٌ في إزهاقِ الرُّوح بل في الهدايةِ والإرشادِ، فإن تعذَّرت بكل سبيلٍ تعيَّن إزهاقُ الرُّوح [3] لزوالِ مفسدَةِ الكُفْر من الوجودِ، ومع التَّلفظ بكلمةِ الحقِّ لم تتعذرِ الهدايةُ، حصلَتْ أو تحصل في المستقبلِ، فمادةُ الفسادِ النَّاشئ عن كلمةِ الكفرِ قد زالتْ بانقيادهِ ظاهرًا، ولم يبق إلَّا الباطن، وهو مشكوكٌ ومرجوٌّ مآلًا، وإنْ لم يكن حالًا، فقد لاحَ من حيثُ المعنى وجه قبولِ الإسلام. انتهى ملخصًا من «المصابيح» فيما نقله عن التَّاج ابن السُّبكي.
وبقيَّة مباحثه تأتي _إن شاء الله تعالى_ في أول «كتاب الدِّيات» [خ¦6865] بعون الله تعالى وقوَّته.
ج6ص272


[1] في هامش (ص): (قوله: «الجُنْدَعِيُّ»: نسبة إلى جندع، قال ابنُ ماكولا: نسبة إلى جندع بن ليث بن بكير ابن عبد مناة بن كنانة، والمنتسب إلى هذه جماعةٌ كَثِيرة؛ منهم: عطاء بن يزيد اللَّيثيُّ). انتهى. «ترتيب».
[2] في (م): «تأول».
[3] قوله: «بل في الهدايةِ والإرشادِ، فإن تعذَّرت بكل سبيلٍ؛ تعيَّن إزهاقُ الرُّوح»: ليس في (م).