إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث عائشة: والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم وما هو بالظن

          3389- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بن عبد الله بن بُكَير قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ♦ زَوْجَ النَّبِيِّ صلعم ) فقال لها: (أَرَأَيْتِ قَوْلَهُ) تعالى، أي: أخبريني عن قوله تعالى، ولأبي ذرٍّ: ”قول الله“: ({حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ}[يوسف:110]) بالتَّشديد (أَو: {كُذِبُواْ}) بالتَّخفيف (قَالَتْ) عائشة ♦ : ليس الظَّنُّ على بابه كما فهمت (بَلْ كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ) بالتَّشديد، فهو بمعنى اليقين، وهو سائغٌ كما في قوله تعالى: {وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ}[التوبة:118] قال عروة: (فَقُلْتُ) لها: (وَاللهِ لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ) وفي نسخة الصَّغَانيِّ: ”قد كذَّبوهم“ (وَمَا هُوَ بِالظَّنِّ، فَقَالَتْ) عائشة رادّة عليه: (يَا عُرَيَّةُ) بضمِّ العين وفتح الرَّاء المهملة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، تصغير «عروة»، وأصله: يا عُرَيْوَة، اجتمعت الياء والواو، وسَبَقَ الأوَّل / بالسُّكون، فقلبوا الواو ياءً وأدغموا الأوَّل في الثَّاني، وليس التَّصغير هنا للتَّحقير (لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ. قُلْتُ: فَلَعَلَّهَا: أَو كُذِبُوا. قَالَتْ: مَعَاذَ اللهِ، لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ) أي: إخلاف الوعد (بِرَبِّهَا، وَأَمَّا هَذِهِ الآيَةُ قَالَتْ): فالمراد من الظَّانِّين فيها (هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ) أي: وصدَّقوا الرُّسل (وَطَالَ عَلَيْهِمُ البَلَاءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَتْ) أي: الرُّسل (مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ كَذَّبُوهُمْ جَاءَهُمْ نَصْرُ اللهِ) وظاهر هذا: أنَّ عائشة ♦ أنكرت قراءة التَّخفيف بناءً على أنَّ الضَّمير للرُّسل، ولعلَّها لم تبلغها، فقد ثبتت في قراءة الكوفيِّين، ووُجِّهت: بأنَّ الضَّمير في {وَظَنُّواْ} عائدٌ على المرسَل إليهم لتقدُّمهم في قوله تعالى: {كَيْفَ كَانَ (1)عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}[فاطر:44] ولأنَّ الرُّسل تستدعي مرسلًا إليه، أي: وظنَّ المرسَل إليهم أنَّ الرُّسل قد كذَّبوهم‼ بالدَّعوة والوعيد، وقيل: الأوَّل للمرسَل إليهم، والثَّاني: للرُّسل، أي: وظنُّوا أنَّ الرُّسل قد كذَّبوا وأخلفوا فيما وُعِد لهم من النَّصر، وخُلط الأمر عليهم. قال في «الأنوار» كـ «الكشاف»: وما رُوِي(2) عن ابن عبَّاسٍ ☻ : أنَّ الرُّسل ظنُّوا أنَّهم أُخلفوا ما وعدهم من النصر، إن صحَّ فقد أراد بالظَّنِّ ما يَهْجُس في القلب على طريق الوسوسة. انتهى. وهذا فيه شيءٌ، فإنَّه(3) لا يجوز أن يُقال: أراد بالظَّنِّ ما يهجس في القلب على طريق الوسوسة، فإنَّ الوسوسة من الشَّيطان، وهم معصومون منه.
          وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «التَّفسير» [خ¦4525].
          (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاري: ({اسْتَيْأَسُواْ}) وزنه («افْتَعَلُوا» مِنْ يَئِسْتُ) وللأَصيليِّ: ”استفعلوا“ بالسِّين والتَّاء الفوقيَّة، وهو الصَّواب، و«استفعل» هنا بمعنى «فعل» المجرَّد، يُقال(4): يئس واستيئس بمعنًى نحو: عجب واستعجب، وسخر واستسخر، والسِّين والتَّاء زيدتا للمبالغة ({مِنْهُ}[يوسف:80]) أي: (مِنْ يُوسُفَ) وعند ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق: فلمَّا استيئسوا، أي: لمَّا حصل لهم اليأس من يوسف. انتهى. أي: أيسوا(5) منه أن يجيبهم إلى ما سألوه، وقال أبو عبيدة: اسْتَيْئَسُوا استيقنوا أنَّ الأخ لا يُرَدُّ إليهم ({لاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ}[يوسف:87] مَعْنَاهُ: الرَّجَاءُ) ولأبي ذرٍّ: ”من الرَّجاء“. وقال ابن عبَّاس: «من رحمة الله» وعن قتادة: «فضل الله» وقُرِئ: ▬من رُوح الله↨ بضمِّ الرَّاء. قال ابن عطيَّة: كأنَّ معنى هذه القراءة: لا تيئسوا من حيٍّ معه روح الله الَّذي وهبه، فإنَّ من بقي روحُه يُرجَى، ومن هذا قول الشَّاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .                     وفي غَيرِ مَنْ قدْ وارتِ الأرضُ فاطْمَعِ
          وقرأ عبد الله: ▬من فضل الله↨، وأبيٌّ: ▬من رحمة الله↨ تفسيرًا لا تلاوةً. قال ابن عبَّاسٍ: إنَّ(6) المؤمن من الله على خيرٍ، يرجوه في البلاء، ويحمده في الرَّخاء.


[1] «كان»: سقط من (س).
[2] في (د): «ورد».
[3] في (م): «لأنَّه».
[4] في (د): «فقال».
[5] في (د): «يئسوا».
[6] «إن»: ليس في (ب).