إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه

2003- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ الحارثيُّ المدنيُّ القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمَّة، ابن أنسٍ الأصبحيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) واسم أبي سفيان صخرُ بن حرب ابن أميَّة الأمويَّ، وهو وأبوه من مسلمة الفتح، وقيل: أسلم هو في عمرة القضاء وكتم إسلامه، وكان أميرًا عشرين سنةً، وخليفةً عشرين سنةً، وكان يقول: أنا أوَّل الملوك (يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ) وكان أوَّل حجَّةٍ حجَّها بعد أن استُخلِف في سنة أربعٍ وأربعين، وآخر حجَّةٍ حجَّها سنة سبعٍ وخمسين [1] (عَلَى الْمِنْبَرِ) زاد يونس عن الزُّهريِّ: بالمدينة، وقال في روايته: في قدمةٍ قَدِمَها (يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟) قال النَّوويُّ: الظَّاهر: أنَّ معاوية قاله لمَّا سمع من يوجبه أو يحرِّمه أو يكرهه؛ فأراد إعلامهم بنفي الثَّلاثة. انتهى. فاستدعاؤه لهم تنبيهًا لهم على الحكم، أو استعانةً بما عندهم على ما عنده (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ) بضمِّ أوَّل «يُكتَب» وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، و«صيامُه»: رفعُ نائبٍ عن الفاعل، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: ((ولم يكتب الله عليكم صيامه)) نُصِب على المفعوليَّة، وهذا من كلام الشَّارع عليه الصلاة والسلام _كما عند النَّسائيِّ_ واستدلَّ به الشَّافعيَّة والحنابلة: على أنَّه لم يكن فرضًا قطُّ ولا نُسِخ برمضان، وتُعقِّب بأنَّ معاوية من مسلمة الفتح؛ فإن كان سمع هذا بعد إسلامه فإنَّما يكون سمعه [2] سنة تسعٍ أو عشرٍ، فيكون ذلك بعد نسخه بإيجاب رمضان، ويكون المعنى: لم يُفرَض بعد إيجاب رمضان جمعًا بينه وبين الأدلَّة الصَّريحة [3] في وجوبه، وإن كان سمعه قبله فيجوز كونه قبل افتراضه، ونُسِخ عاشوراء برمضان في «الصَّحيحين» عن عائشة [خ¦1592] وكون لفظ: «أَمَرَ» في قوله: «وَأَمَرَ بصيامه» [خ¦1892] مشتركًا بين الصِّيغة الطَّالبة ندبًا وإيجابًا [4] ممنوعٌ، ولو سلم فقولها_: فلمَّا فُرِض رمضان قال: من... إلى آخره_ دليلٌ على أنَّه مستعملٌ هنا [5] في الصِّيغة الموجبة للقطع بأنَّ التَّخيير ليس باعتبار النَّدب لأنَّه مندوبٌ إلى الآن فكان باعتبار الوجوب (وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ) ولابن عساكر في نسخةٍ: ((فليصمه)) بضمير المفعول (وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ) بحذف ضمير المفعول.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ.
ج3ص422


[1] في هامش (ص): (قال الحافظ: والذي يظهر أنَّ المراد بها في هذا الحديث: الحجَّة الأخيرة). انتهى «فتح الباري».
[2] في (ب): «سمه»، وهو تحريفٌ.
[3] في (د): «الصَّحيحة».
[4] في (ص): «إيابًا»، وهو تحريفٌ.
[5] في (م): «عندنا».