إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن رجلًا أتى النبي، فقال: إنه احترق قال: مالك

1935- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النُّون الزَّاهد، أنَّه (سَمِعَ يَزِيدَ ابْنَ هَارُونَ) من الزِّيادة، أبا خالدٍ يقول: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: ((أخبرنا)) (يَحْيَى _هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ_) أي [1]: الأنصاريُّ (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه (أَخْبَرَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أنَّه (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قيل: الرَّجل هو سلمة بن صخرٍ، رواه ابن أبي شيبة وابن الجارود، وبه جزم عبد الغنيِّ، وانتُقِد بأنَّ ذلك [2] هو المُظاهِر في رمضان أتى أهله في اللَّيل [3]، لمَّا رأى خلخالًا لها في القمر، وفي «تمهيد» ابن عبد البرِّ عن ابن المُسيَّب: أنَّ المُجامِع في رمضان سلمان بن صخرٍ أحد بني بَيَاضة، قال: وأظنُّه وهمًا أتى من الرُّواة، أي: لأنَّ ذلك إنَّما هو في المُظاهِر، وأمَّا المُجامِع فأعرابيٌّ، فهما واقعتان، فإنَّ في قصَّة المُجامِع في حديث الباب: أنَّه كان صائمًا، وفي قصَّة سلمة بن صخرٍ [4]: أنَّ ذلك كان ليلًا_كما عند التِّرمذيِّ_ فافترقا، واجتماعهما في [5] كونهما من بني بَيَاضَة، وفي صفة الكفَّارة وكونها مرتَّبةً، وفي كون كلٍّ منهما كان لا يقدر على شيءٍ من خصالها كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ لا يقتضي اتِّحاد القصَّتين (فَقَالَ) أي: الرَّجل له عليه الصلاة والسلام: (إِنَّهُ احْتَرَقَ) أطلق على نفسه أنَّه احترق لاعتقاده أنَّ مرتكب الإثم يُعذَّب بالنَّار، فهو مجازٌ عن العصيان، أو المراد: أنَّه يحترق يوم القيامة، فجعل المُتوقَّع كالواقع، وعبَّر عنه بالماضي، ورواية الاحتراق هذه تفسِّر [6] رواية الهلاك الآتية _إن شاء الله تعالى_ في الباب اللَّاحق [خ¦1936] وفي رواية البيهقيِّ: جاء رجلٌ وهو ينتف شعره ويدقُّ صدره ويقول: هلك الأبعد (قَالَ) له عليه الصلاة والسلام: (مَا لَكَ؟) بفتح اللَّام، أي: ما شأنك؟ (قَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي) أي: جامعت زوجتي (فِي رَمَضَانَ) ولابن عساكر: ((في نهار رمضان)) (فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بضمِّ الهمزة وكسر التَّاء مبنيًّا للمفعول (بِمِكْتَلٍ) بكسر الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة: شبه الزِّنبيل يسع خمسة عشر صاعًا (يُدْعَى الْعَرَقَ) بفتح الرَّاء وقد تُسكَّن؛ وهو ما نُسِج من الخوص فيه تمرٌ (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ؟) أثبت له عليه الصلاة والسلام وصف الاحتراق إشارةً إلى أنَّه لو أصرَّ على ذلك لاستحق ذلك (قَالَ) الرَّجل: (أَنَا، قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (تَصَدَّقْ بِهَذَا) المكتل على ستِّين مسكينًا _كما في باقي الرِّوايات_ لكلِّ مسكينٍ مدٌّ، وهو ربع صاعٍ، وهذا إنَّما هو بعد العجز عن العتق وصيام الشَّهرين، فقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن الحارث عن محمَّد بن جعفر بن الزُّبير بهذا الإسناد، ولفظه [7]: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جالسًا [8] في ظلِّ فارعٍ _بالفاء والمهملة_ فجاءه رجلٌ من بني بَيَاضَة فقال: احترقتُ؛ وقعت بامرأتي في رمضان، فقال: «أعتق رقبةً»، قال: لا أجدها، قال: «أطعم ستِّين مسكينًا»، قال: ليس عندي.... الحديثَ، أخرجه أبو داود، ووقع هنا مختصرًا، وفيه: وجوب الكفَّارة على المُجامِع عمدًا لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال: أين المحترق؟ وقد
ج3ص376
خرج بالعمد: مَنْ جامع ناسيًا أو مكرهًا أو جاهلًا، وبقوله: «في رمضان»: غيره؛ كقضاءٍ ونذرٍ وتطوُّعٍ لورود النَّصِّ في رمضان، وهو مختصٌّ بفضائل لا يشركه [9] فيها غيره، وبالجماع: غيرُه؛ كالاستمناء والأكل والشُّرب لورود النَّصِّ في الجماع، وهو أغلظ من غيره، وأوجب بعض المالكيَّة والحنابلة الكفَّارة على النَّاسي متمسِّكين بترك استفساره عليه الصلاة والسلام عن جِماعه هل كان عن عمدٍ أو عن نسيانٍ؟ وتركه الاستفصال في الفعل ينزل [10] منزلة العموم في المقال، وأجيب: بأنَّه قد تبيَّن الحال من قوله: احترقت وهلكت، فدلَّ على أنَّه كان عامدًا عالمًا بالتَّحريم، واستدلَّ أيضًا [11] بحديث الباب لمالكٍ؛ حيث جزم في كفَّارة الجماع في رمضان بالإطعام دون غيره، ولا حجَّة فيه لأنَّ الحديث مختصرٌ من المُطوَّل، والقصَّة واحدةٌ، وقد حفظها أبو هريرة وقصَّها على وجهها، وأوردها بعض الرُّواة مختصرةً عن عائشة، وقد رواها [12] عبد الرَّحمن بن الحارث بتمامها كما تقدَّم، ومن حفظ حجَّةٌ على من لم يحفظ.
وفي هذا الحديث [13]: التَّحديث والإخبار والسَّماع، وأربعةٌ من التَّابعين: يحيى وعبد الرَّحمن ومحمَّد بن جعفرٍ وعبَّادٌ، وأخرجه أيضًا في «المحاربين» [خ¦6822]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
ج3ص377


[1] زيد في (ب): «عند».
[2] في (م): «ذاك».
[3] في (د): «بالَّليل».
[4] قوله: «أحد بني بَيَاضة، قال: وأظنُّه وهمًا أتى... وفي قصَّة سلمة بن صخرٍ» سقط من (د).
[5] «في»: ليس في (د).
[6] في غير (د) و(س): «تفسير».
[7] في (د): «بلفظ».
[8] «جالسًا»: ليس في (د).
[9] في (ب) و(س): «يشاركه».
[10] في (ص): «ينزله».
[11] «أيضًا»: ليس في (د).
[12] في (د): «أوردها».
[13] في (ص) و(م): «وهذا الحديث فيه».