إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من توضأ وضوئي هذا ثم يصلي ركعتين

1934- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزيُّ، قال [1]: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ ابن راشدٍ الأزديُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) اللَّيثيِّ المدنيِّ نزيل الشَّام [2] (عَنْ حُمْرَانَ) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الميم ابن أبان مولى عثمان بن عفَّان أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَوَضَّأَ) وضوءًا كاملًا جامعًا للسُّنن كالمضمضة والاستنشاق والسِّواك (فَأَفْرَغَ) الفاء للتَّفسير، أي: صبَّ (عَلَى يَدَيْهِ) إفراغًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر في نسخةٍ: ((ثمَّ مضمض)) بحذف التَّاء (وَاسْتَنْثَرَ) أي: أخرج الماء من أنفه بعد الاستنشاق (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى) أي: مع (المِرْفِقِ) بفتح الميم وكسر الفاء وبالعكس، غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى) أي: مع (الْمرْفقِ) غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) هل الباء للتَّبعيض أو الاستعانة أو غير ذلك؟ خلافٌ مشهورٌ يترتَّب عليه ما مرَّ في الوضوء من كون الواجب مسح الكلِّ أو البعض، ولأبي ذرٍّ: ((ثمَّ مسح رأسه)) بحذف الباء، ولم يذكر في المسح تثليثًا، وهو مذهب الأئمَّة الثَّلاثة، واحتجَّ الشَّافعيُّ بحديث أبي داود عن عثمان: أنَّه صلى الله عليه وسلم مسح برأسه ثلاثًا (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ [3] الْيُمْنَى) غسلًا (ثَلَاثًا، ثُمَّ) غسل رجله (الْيُسْرَى) غسلًا (ثَلَاثًا) وحذف: «غسل رجله»؛ لدلالة السَّابق [4] عليه (ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ) وضوءًا (نَحْوَ وُضُوئِي [5] هَذَا) وعند المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦6433] «مثل وضوئي» وهو ينفي ما قرَّره النَّوويُّ من التَّفرقة بين
ج3ص373
«مثل» و«نحو»، وسبق مبحث ذلك في الوضوء (ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) وفي «الوضوء» [خ¦159] صلَّى بلفظ الماضي (لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ) من باب التَّفعُّل [6] المقتضي للتَّكسُّب من حديث النَّفس، وهذا دفعه ممكنٌ؛ بخلاف ما يهجم فإنَّه معفوٌّ عنه لتعذُّره [7] (فِيهِمَا) أي: في [8] الرَّكعتين (بِشَيْءٍ) وفي «مسند أحمد» والطَّبرانيِّ في [9] «الأوسط»: «لا يحدِّث نفسه [10] فيهما إلَّا بخيرٍ» أي: كمعاني المتلوِّ من القرآن والذِّكر والدُّعاء الحاضر من نفسه أو إمامه، أمَّا فيما لا يتعلَّق بالصَّلاة أو لا يتعلَّق بقراءةٍ أو ذكرٍ أو دعاءٍ حاضرٍ بل في الجملة فلا؛ كما قرَّره ابن عبد السَّلام وغيره، وفي بعض الرِّوايات _كما عند التِّرمذيِّ الحكيم في «كتاب الصَّلاة» له_: «لا يحدِّث فيهما نفسه بشيءٍ من الدُّنيا» (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، وهذا الحديث ليس فيه شيءٌ من أحكام الصِّيام، لكن أدخله في هذا الباب لمعنًى لطيفٍ؛ وذلك أنَّه أخذ شرعيَّة السِّواك للصَّائم بالدَّليل الخاصِّ، ثمَّ انتزعه من الأدلَّة [11] العامَّة التي تناولت أحوال متناول السِّواك، وأحوال عود السِّواك من رطوبةٍ ويبوسةٍ، ثمَّ انتزع ذلك من أعمَّ من ذلك وهو المضمضة؛ إذ هي أبلغ من السِّواك الرَّطب، وأصل هذا الانتزاع لابن سيرين حين [12] قال محتجًّا على السِّواك الأخضر: والماء له طعمٌ. انتهى. وقد كره مالكٌ الاستياك بالرَّطب للصَّائم لِمَا يتحلَّل منه، والشَّافعيُّ وأحمد: بعد الزَّوال قال ابن دقيق العيد في ذلك [13]: ويحتاج إلى دليلٍ خاصٍّ بهذا الوقت يخصُّ به عموم حديث «الصَّحيحين» [خ¦887] «عند كلِّ صلاةٍ»، ورواية النَّسائيِّ وغيره: «عند كلِّ وضوءٍ»، وهو حديث الخُلُوف، وعبارة الشَّافعيِّ: أحبُّ السِّواك عند كلِّ وضوءٍ باللَّيل والنَّهار إلَّا أنِّي أكرهه للصَّائم آخر النَّهار من أجل الحديث [خ¦1894] في خلوف فم [14] الصَّائم. انتهى. وليس في هذه العبارة تقييدُ ذلك بالزَّوال فلذا قال الماورديُّ: لم يحدَّ الشَّافعيُّ الكراهة بالزَّوال، وإنَّما ذكر العشيَّ، فحدَّه الأصحاب بالزَّوال. انتهى. واسم العشيِّ صادقٌ بدخول أوَّل النِّصف الأخير من النَّهار، وقيل: لا يُؤقَّت بحدٍّ معيَّنٍ، بل يترَك متى عرف أنَّ تغيُّر فمه ناشئٌ عن الصِّيام، وذلك يختلف باختلاف أحوال النَّاس، وباختلاف بُعْدِ عهده عن الطَّعام [15] وقرب عهده به لكونه لم يتسحَّر أو تسحَّر، وفرَّق بعض أصحابنا بين الفرض والنَّفل، فكرهه في الفرض بعد الزَّوال، ولم يكرهه في النَّفل لأنَّه أبعد من الرِّياء، وقد أخذ مالكٌ وأبو حنيفة بعموم الحديث استحبابه للصَّائم قبل الزَّوال وبعده، وقال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: إنَّه المختار، وقال بعضهم: السِّواك مطهرةٌ للفم فلا يُكرَه كالمضمضة للصَّائم، لا سيَّما وهي رائحةٌ تتأذَّى بها الملائكة، فلا تُترَك هنالك، وأمَّا الخبر ففائدته عظيمةٌ بديعةٌ؛ وهي أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم إنَّما مدح الخُلُوف نهيًا للنَّاس عن تقذُّر مكالمة الصَّائمين [16] بسبب الخلوف، لا نهيًا للصُّوَّام عن السِّواك، والله غنيٌّ عن وصول الرَّائحة الطَّيِّبة إليه، فعلمنا يقينًا أنَّه لم يُرِد بالنَّهي استبقاء الرَّائحة، وإنَّما أراد نهيَ النَّاس عن كراهتها، قال: وهذا التَّأويل أَوْلى لأنَّ فيه إكرامًا للصَّائم [17]، ولا تعرُّض فيه للسِّواك فيُذكَر أو يُتأوَّل.
وحديث الباب قد سبق في «باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» [خ¦159].
ج3ص374


[1] «قال»: ليس في (د).
[2] في (س): «الشَّأم».
[3] «رِجله»: سقط من (م).
[4] في (د) و(م): «السِّياق».
[5] في هامش (ص): (قوله: «نحو وضوئي» أي: مثله، لكن بين «نحو» و«مثل» فرقٌ من حيث إنَّ لفظ «مثل» يقتضي المساواة من كلِّ وجهٍ إلَّا في الوجه الذي يقتضي التَّغاير بين الحقيقتين بحيث يخرُجان عن الوحدة، ولفظ «نحو» لا يقتضي ذلك، ولعلَّها استعملت هنا بمعنى «المثل» مجازًا، ولعلَّه لم يترك بما يقتضي المثليَّة إلَّا ما لا يقدح في المقصود، قاله ابن دقيق العيد، قال البرماويُّ في «شرح العمدة»: وإنَّما حُمِل «نحو» على معنى «مثل» مجازًا، أو على جلِّ المقصود لا الكيفيَّة المترتِّب عليها ثوابٌ معيَّنٌ، باختلاف شيء منها يختلُّ الثَّواب المترتِّب؛ بخلاف ما يُفعَل لامتثال الأمر مثل فعله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فإنَّه يُكتفىَ فيه بأصل الفعل الصَّادق عليه الأمر، وقد وقع في بعض طرق الحديث بلفظ «مثل» كما عند المؤلِّف في «الرقاق» [خ¦6433]، وكذا عند مسلمٍ، وهو معارضٌ لقول النَّوويِّ: إنَّما قال: «نحو وضوئي»، ولم يقل: «مثل» لأنَّ حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره، نعم عِلْمُهُ عليه الصَّلاة والسَّلام بحقائق الأشياء وخفيَّات الأمور لا يعلمه غيره، وحينئذٍ فيكون قول عثمان رضي الله عنه: «مثل» بمقتضى الظَّاهر). انتهى.
[6] في (ب) و(س): «التفعيل».
[7] في (د): «بتعذره».
[8] «في): ليس في (د).
[9] «في»: ليس في (ص) (م).
[10] «نفسه»: ليس في (د).
[11] في (م): «في الدلالة».
[12] في (ب) و(س): «حيث».
[13] «في ذلك»: ليس في (د) و(س).
[14] «فم»: ليس في (د).
[15] في (ص) و(م): «بالطَّعام».
[16] في (م): «الصَّائم».
[17] في (ص) و(م): «للصُّيَّام».