إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله أو بعده

1985- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) النَّخعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية بن الحارث بن ثعلبة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: ((لا يصوم)) وقال الحافظ ابن حجرٍ: للأكثر: ((لا يصوم)) بلفظ النَّفي، والمراد به النَّهي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((لا يصومنَّ)) بلفظ النَّهي المُؤكَّد (إِلَّا) أن يصوم (يَوْمًا قَبْلَهُ) وهو يوم الخميس (أَوْ) يصوم يومًا (بَعْدَهُ) وهو السَّبت، وفي «المُستدرَك» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «يومُ الجمعة عيدٌ، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم [1] إلَّا أن تصوموا قبله أو [2] بعده» وقال: صحيح الإسناد إلَّا أنَّ أبا بشرٍ لم أقف له على اسمٍ [3]، فقيل: العلَّة كونه عيدًا كما في هذا الحديث، وعند ابن أبي [4] شيبة بإسنادٍ حسنٍ عن عليٍّ: «من كان منكم [5] متطوّعًا من الشَّهر فليصم يوم الخميس، ولا يصم [6] يوم الجمعة؛ فإنَّه يوم طعامٍ وشرابٍ وذِكْرٍ» ولـ «مسلمٍ» من طريق أبي معاوية عن الأعمش: «لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلَّا أن يصوم قبله أو يصوم بعده»، وله أيضًا من طريق هشامٍ عن ابن سيرين عن أبي هريرة: «لا تخصُّوا ليلة الجمعة بقيامٍ من بين اللَّيالي، ولا تخصُّوا [7] يوم الجمعة بصيامٍ من بين الأيَّام إلَّا أن يكون في صومٍ يصومه أحدكم»، وهذه الأحاديث تقيِّد النَّهي المطلق في حديث جابرٍ، والزِّيادة السَّابقة من تقييد الإطلاق بالإفراد [8]، ويُؤخَذ من الاستثناء الوارد في حديث مسلمٍ جوازه لمن اتَّفق وقوعه في أيَّامٍ له عادةٌ بصومها؛ كأنِ اعتاد صوم يومٍ وفِطْرَ يومٍ، فوافق صومه يوم الجمعة، فلا كراهة كما في صوم يوم الشَّكِّ، واستُشكِل زوال الكراهة بتقدُّم صومٍ قبله أو بعده بكراهة صوم يوم عرفة، فإنَّ كراهة صومه أو كونه على [9] خلاف الأولى على ما رجَّحه محقِّقو أصحابنا لا يزول بصوم يومٍ قبله، وأُجيب بأنَّ في اليوم قبله اشتغالًا بالتَّروية والإحرام بالحجِّ لمن لم يكن محرمًا، ففيه شيءٌ من معنى يوم عرفة، واختُلِف في صوم يوم الجمعة على أقوالٍ: كراهته مطلقًا، وإباحته مطلقًا من غير كراهةٍ وهو قول مالكٍ وأبي حنيفة ومحمَّد بن الحسن، وكراهة إفراده وهو مذهب الشَّافعيَّة، والرَّابع: أنَّ النَّهي مخصوصٌ بمن يتحرَّى صيامه ويخصُّه دون غيره، فمتى صام مع صومه يومًا غيره فقد خرج عن معنى [10] النَّهي، وهذا يردُّه [11] قوله عليه الصلاة والسلام لجويرية [خ¦1986] «أصمت أمس....» الحديث الآتي قريبًا إن شاء الله تعالى، والخامس: أنَّه يحرم إلَّا لمن [12] صام قبله أو بعده أو وافق عادته، وهو قول ابن حزمٍ لظواهر الأحاديث [13]، ويُكره [14] إفراد يوم [15] السَّبت أو الأحد بالصَّوم أيضًا [16] لحديث التِّرمذيِّ وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه على شرط الشَّيخين: «لا تصوموا يوم السَّبت إلَّا فيما افتُرِض
ج3ص414
عليكم»، ولأنَّ اليهود تعظِّم يوم السَّبت والنَّصارى تعظِّم يوم الأحد، ولا يُكرَه جمع السَّبت مع الأحد لأنَّ المجموع لم يعظِّمه أحدٌ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وابن ماجه في «الصَّوم».
ج3ص415


[1] في (ب): «صومكم».
[2] زيد في (د): «تصوموا».
[3] في (د): «أقف على اسمه».
[4] «أبي»: سقط من (ب).
[5] «منكم»: ليس في (ص).
[6] في (د): «يصوم»، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[7] «تخصُّوا»: مثبتٌ من (د).
[8] «بالإفراد»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[9] «على»: ليس في (د) و(م).
[10] «معنى»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[11] في (د): «ويؤيِّده»، وهو تحريفٌ.
[12] في (د): «إنْ».
[13] قوله: «واختُلِف في صوم يوم الجمعة على أقوالٍ... وهو قول ابن حزمٍ لظواهر الأحاديث» جاء في (ب) سابقًا عند قوله: «يوم عرفة»، وفي (د) لاحقًا عند قوله: «لم يعظِّمه أحدٌ».
[14] زيد في غير (د): «أيضًا».
[15] «يوم»: ليس في (د1) و(ص) و(م).
[16] «أيضًا»: ليس في (ب) و(س).